بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة
تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، بفعل العولمة، وانتشار وسائل التواصل الحديثة، وتغيّر أنماط العيش والقيم. ومن بين الظواهر التي بدأ يُتداول الحديث عنها – وإن ظل في نطاق الحرج والكتمان – ما يُعرف بـ السِّحاق أو العلاقات العاطفية والجنسية بين النساء. ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة تاريخيًا، فإن الجدل حول تناميها وظهورها العلني النسبي يفرض مقاربة علمية هادئة بعيدة عن التهويل أو التبرير.
أولاً: مفهوم السِّحاق
السِّحاق في الاصطلاح هو إقامة علاقة عاطفية أو جنسية بين امرأتين. وقد عُرفت هذه الظاهرة في مجتمعات مختلفة عبر التاريخ، لكنها ظلت في المجتمعات العربية والإسلامية محرّمة دينيًا ومرفوضة اجتماعيًا، وتُمارَس – إن وُجدت – في نطاق السرية.
ثانيًا: أسباب الحديث عن تنامي الظاهرة
1. التحولات الثقافية والعولمة
ساهم الانفتاح الإعلامي العالمي، والأفلام، والمنصات الرقمية، في نقل أنماط سلوكية وقيم جديدة، بعضها يتعارض مع المنظومة الأخلاقية العربية، مما أدى إلى تطبيع الخطاب حول المثلية في بعض الفضاءات الافتراضية.
2. وسائل التواصل الاجتماعي
وفّرت هذه الوسائل:
فضاءات مغلقة للتعارف والتواصل
شعورًا زائفًا بالأمان والقبول
مجموعات تشجع على تبني هويات وسلوكيات غير مألوفة مجتمعيًا
3. التفكك الأسري وضعف الرقابة التربوية
غياب الحوار داخل الأسرة، وضعف التوجيه الديني والنفسي، قد يدفع بعض الفتيات إلى البحث عن القبول العاطفي في علاقات بديلة.
4. صدمات نفسية وتجارب مؤلمة
تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن:
الاعتداءات الجنسية
الإهمال العاطفي
التجارب العاطفية الفاشلة مع الرجال
قد تكون عوامل مساهمة، دون أن تكون سببًا وحيدًا أو حتميًا.
5. الخلط بين الصداقة والعلاقة العاطفية
في البيئات النسوية المغلقة (المدارس الداخلية، السجون، بعض أماكن العمل)، قد يحدث التباس بين:
التقارب العاطفي الطبيعي
والتعلّق المرضي الذي يتجاوز حدوده السوية
ثالثًا: الموقف الديني والاجتماعي
من المنظور الإسلامي:
السِّحاق محرم شرعًا لأنه خروج عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
يُنظر إليه كـ سلوك وليس هوية ثابتة، ما يفتح باب التوبة والإصلاح.
أما اجتماعيًا:
لا يزال مرفوضًا بشدة
يُنظر إليه كتهديد لبنية الأسرة واستقرار المجتمع
لكنه يُناقش اليوم بصوت أعلى بسبب الإعلام والفضاء الرقمي
رابعًا: آثار الظاهرة على الفرد والمجتمع
على الفرد
اضطرابات نفسية (القلق، الاكتئاب، الصراع الداخلي)
عزلة اجتماعية
صعوبة الاندماج الأسري والزوجي لاحقًا
على المجتمع
إضعاف مؤسسة الأسرة
تشويش المرجعيات القيمية
صراع بين الأجيال حول الهوية والمعايير الأخلاقية
خامسًا: سبل المعالجة والوقاية
1. تعزيز التربية الدينية المتوازنة
تربية تقوم على:
الفهم لا التخويف
الرحمة لا الإقصاء
الجمع بين القيم والواقع
2. فتح قنوات الحوار الأسري
الاستماع للفتيات، ومناقشة تساؤلاتهن دون عنف أو استهزاء.
3. التأطير النفسي والتربوي
توفير مختصين نفسيين مؤهلين يعالجون الحالات بحكمة، بعيدًا عن الوصم.
4. ترشيد المحتوى الإعلامي
والحد من الترويج غير الواعي لسلوكيات دخيلة على المجتمعات العربية.
خاتمة
إن الحديث عن تنامي ظاهرة السِّحاق في المجتمعات العربية يجب أن يتم بمنهج علمي وإنساني، يوازن بين الثوابت الدينية، والواقع الاجتماعي، والحاجات النفسية للأفراد. فالمعالجة الحقيقية لا تكون بالإنكار المطلق ولا بالتطبيع الكامل، وإنما بالفهم، والوقاية، والإصلاح، حفاظًا على الفرد والأسرة والمجتمع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق