الخميس، 12 فبراير 2026

مفاوضات مدريد قراءة سياسية إستشرافية في إنتقال أدوات حسم نزاع الصحراء المغربية وتنزيل الحكم الذاتي.


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

تندرج اليوم مفاوضات مدريد ضمن مسار إستراتيجي دقيق وعميق، مسار جديد ينقل ملف الصحراء من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حسم موازينها التي أكدها القرار 2797. فالنزاع المفتعل لم يعد قابلا للتدوير الدبلوماسي أو الإختباء وراء صيغ مفاهيمية مستهلكة، ولا حتى التأطير داخل سردية ما سمي بتصفية الاستعمار، والتي استهلكت دوليا وفقدت قدرتها على الإجماع و الإقناع. فالجلوس على طاولة واحدة و تحت رعاية أمريكية مباشرة وبحضور الأمم المتحدة، يؤسس لتحول نوعي في تعريف أطراف النزاع وحدود أدوارهم، وينقل الجزائر من موقع الإدعاء السياسي إلى موقع المساءلة القانونية، ويسقط وبشكل عملي فرضية "الغير معني" أو "الطرف الملاحظ" التي تمسكت بها لسنوات.


إن التحول الجوهري الذي كرسه لقاء مدريد يتمثل بالأساس في إنتقال النقاش من صراع حول المرجعيات إلى تدبير تقني للحل. فقبول الوثيقة المغربية حول التنزيل العملي لمقترح الحكم الذاتيو بصيغتها المحينة، كأساس وحيد للنقاش يشكل قطعا نهائيا مع منطق تعدد المقترحات الذي أستخدم في مراحل سابقة لإطالة أمد النزاع. فلم يعد السؤال المطروح هو مشروعية الحكم الذاتي من عدمها، بل كيفية تنزيله داخل إطار السيادة المغربية، وهو إنتقال من المجال الإيديولوجي إلى المجال التنفيذي الواقعي، حيث يمتلك المغرب مقومات التفوق المؤسساتي و القانوني الواضح والصريح، مقومات مدعومة بتراكمات دبلوماسية طويلة وشرعية ميدانية لا ينازعها أحد، والتي يكتسي فيها القرار الأممي 2797 دلالة إستشرافية خاصة، لأن قرار 31 أكتوبر 2025، لا يراهن فقط على إدارة الوقت بقدر ما يختبر الإرادات السياسية الحقيقية للأطراف المعنية بالنزاع. الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام معادلة غير مسبوقة، فإما أن تنخرط بشكل جدي في مسار تفاوضي واقعي يقود إلى حل سياسي نهائي، أو تتحمل تكلفة التعطيل في سياق دولي لم يعد يتسامح مع بؤر التوتر المصطنعة والمفتعلة، خاصة في منطقة شمال إفريقيا والساحل، والتي أضحت تتطلب العمل على إستقرارها كشرطا استراتيجي دولي لمعادلات أمنية وإقتصادية كبرى.

إن إحداث لجنة تقنية دائمة بإشراف أمريكي و أممي لا يمكن إعتباره مجرد إجراء إجرائي محايد، بل أنها تمثل ذلك الإنتقال التدريجي من منطق الوساطة الأممية التقليدية والتي إستنفدت جميع أدواتها، إلى منطق الرعاية السياسية الأمريكية. هذا التطور الذي يعكس قناعة واشنطن بأن إدارة النزاع عبر آليات أممية فضفاضة لم تعد مجدية، للانتقال من موقع الداعم إلى موقع الضامن، بما يرفع كلفة المناورة والتراجع، خصوصا بالنسبة للجزائر التي بنت إستراتيجيتها لعقود على كسب الوقت وإعادة إنتاج الجمود.

 و الأهم في مخرجات مدريد يتمثل في الاتفاق الإجرائي على خارطة طريق مدريد واشنطن 2026، بما تتضمنه من أفق زمني للتوقيع على اتفاق إطار سياسي و لأول مرة يؤطر زمن مسار التفاوض تحت رعاية القوة الولايات المتحدة الأمريكية، لا ضمن مسار أممي مفتوح على التأجيل والتمطيط. هذا التطور الذي يحد من هوامش التعطيل التي مافتأت الجزائر تدفع بها، ويحول أي محاولة للعرقلة إلى عبئ سياسي مباشر على الطرف الذي يفتقر إلى بدائل واقعية. فمشهد مدريد يحمل في طياته رسائل عميقة و في أدق تفاصيلها البروتوكولية والتي حملت رسائل سياسية عميقة من خلال رفض الصورة الجماعية التي لم تكن مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن قلق جزائري من دلالاتها الرمزية السياسية، وإدراك منها بأن أي صورة مشتركة ستقرأ دوليا بأنها إعتراف ضمني بمركزية المغرب في الحل، وبإنتقال الجزائر من موقع الداعم الخارجي إلى موقع الطرف المعني بالنزاع. وهو هروب بصري من صورة جماعية هو بالأساس هروب من واقع سياسي يتكرس داخل قاعة التفاوض مهما تم إنكاره خارجها.

إن معركة المصطلحات التي أنهتها طاولة مدريد وخاصة حول مفهوم تقرير المصير تؤكد أن الجزائر تخوض اليوم معركة لغوية أكثر منها سياسية حين يحاصر مفهوم تجاوزه قرار مجلس الأمن 2797 داخل أفق الحكم الذاتي، لينهي تلك الصيغة الكلاسيكية التي تتمسك بها الجزائر، ولتتحول إلى شعار مستهلك بلا آليات تنفيذية واقعية، و في عالم لم يعد يتعامل مع النزاعات بمنطق الشعارات، بل بمنطق الإستقرار والنجاعة.

في المقابل تقف المملكة المغربية داخل هذا المسار الجديد كقوة هادئة لا تقوم على الإستعراض، بل على تثبيت المرجعية وفرض الإطار العام للحل ،المغرب الذي لم يعد في حاجة إلى تقديم أي تنازلات جديدة ،والذي حول المفاوضات من نقاش حول السيادة إلى نقاش حول كيفية تدبيرها، الأمر الذي منحه هامش مناورة ديبلوماسية واسعة، ليجعل أي فشل محتمل للمحادث عبئا سياسيا على الطرف الآخر. 

و مع كل ماسبق حول مفاوضات مدريد فإن أي قراءة إستشرافية لها تفرض منا حيزا من الحذر السياسي ، فالإنتقال من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض لا يعني بالضرورة وجود تحول عميق في العقيدة السياسية الجزائرية، فقد نشهد محاولات لإفراغ الحوار من محتواه لإعادة إنتاج التعنت داخل قاعة المفاوضات. غير أن هذا السيناريو و حتى إن أمكن له التحقق، لا يغير من حقيقة أساسية وهي أن مجرد إنعقاد لقاء مدريد يؤسس لسابقة سياسية يصعب التراجع عنها، ويكرس أن الحل لم يعد ممكنا إلا عبر الجزائر وبموافقتها الصريحة على إنهاء النزاع.

ختاما، مفاوضات مدريد ليست محطة الحسم النهائي لكنها لحظة كاشفة بامتياز و لحظة سقوط آخر الأقنعة وبداية مرحلة جديدة تدار فيها قضية الصحراء بمنطق الوقائع لا الأوهام والأساطير، بداية مفاوضات تدار بميزان القوى لا بشعارات السبعينيات. من هذه المنطلق لم تعد السيادة المغربية موضوع تفاوض بل أصبحت الإطار الذي تدار داخله المفاوضات نفسها، وما عدا ذلك ليس سوى مجرد تفاصيل في طريق إغلاق أحد أطول النزاعات المفتعلة في المنطقة، مع ميل واضح لميزان التحول الإستراتيجي لصالح الطرح المغربي ودخول الجزائر مرحلة دقيقة تتقلص فيها هوامش المناورة وتتسع فيها كلفة الرفض.

الأحد، 8 فبراير 2026

الانفعال في السياسة المعاصرة : البكاء كخطاب وهمي غير لغوي داخل التنظيمات الحزبية



بقلم :  خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

هل أصبح بكاء السياسيين في الاجتماعات فِطرة؟

بين البعد الإنساني، والخوف الوجودي، والبكاء على السلطة والمناصب

مقدّمة

عرف الحقل السياسي، تاريخيًا، ارتباطه بالعقلانية، والحسابات الباردة، وضبط الانفعال، باعتبار السياسة مجالًا لإدارة الصراع والمصلحة والقوة. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في المشهد السياسي العالمي والعربي، تمثّل في ظهور البكاء كفعل سياسي علني داخل الاجتماعات والملتقيات الحزبية والرسمية.

هذا التحوّل يطرح إشكالًا مركزيًا:

هل نحن أمام عودة “الفطرة الإنسانية” إلى الفعل السياسي؟

أم أمام بكاءٍ وظيفيٍّ مرتبط بالخوف من فقدان السلطة والمكانة؟

أم أنّه تعبير عن قلق وجودي عميق في زمن اهتزاز اليقين السياسي؟

أولًا: البكاء في السياسة – من السلوك الإنساني إلى الفعل الرمزي

من منظور أنثروبولوجي، يُعدّ البكاء استجابة إنسانية فطرية للضغط، الفقد، الخوف، أو العجز. غير أنّ انتقاله إلى المجال السياسي يحوّله من فعل تلقائي إلى سلوك دلالي مشحون بالرمزية.

في السياسة، لا يُقرأ البكاء بوصفه دموعًا فقط، بل بوصفه:

رسالة إلى القاعدة الحزبية

تعبيرًا عن أزمة قيادة

أو محاولة لاستدرار التعاطف وإعادة الشرعية

وهنا يصبح البكاء خطابًا غير لغوي، يخضع للتأويل مثل الخطب والبيانات.

ثانيًا: بكاء على الكراسي والمناصب – خوف النخب من السقوط

يرتبط جزء كبير من بكاء السياسيين المعاصرين بما يسميه علماء السياسة: “قلق فقدان الامتياز” (Anxiety of Power Loss)

1. السلطة كهوية

بالنسبة لكثير من السياسيين، لم تعد السلطة وظيفة مؤقتة، بل:

مصدرًا للهوية

ضمانًا اجتماعيًا

أداة نفوذ رمزي ومادي

وعليه، فإن التهديد بفقدان المنصب يُترجم نفسيًا إلى:

إحساس بالفراغ

خوف من التهميش

انهيار صورة الذات السياسية

في هذه الحالة، يكون البكاء بكاءً على الذات السلطوية أكثر منه على الوطن أو المشروع السياسي.

2. هشاشة الشرعية

حين تضعف الشرعية الانتخابية أو الأخلاقية، يلجأ السياسي إلى:

العاطفة بدل البرنامج

الدموع بدل الرؤية

الاستعطاف بدل الإقناع

فيتحول البكاء إلى آلية دفاع سياسي في لحظة العجز.

ثالثًا: البكاء كخوف مما هو آتٍ – السياسة في زمن اللايقين

لا يمكن فصل ظاهرة بكاء السياسيين عن السياق العالمي العام، الموسوم بـ:

الأزمات الاقتصادية

تصاعد الاحتجاجات

تآكل الثقة في الأحزاب

صعود الشعبوية

في هذا السياق، يظهر ما يسميه زيغمونت باومان: “الخوف السائل”

وهو خوف غير محدد المصدر، لكنه دائم الحضور.

1. الخوف من المحاسبة

في كثير من الحالات، يكون البكاء تعبيرًا غير مباشر عن:

خوف من المساءلة التاريخية

قلق من المحاكمات السياسية أو الأخلاقية

إدراك متأخر لفشل المشروع أو الخطاب

2. نهاية اليقين الحزبي

لم تعد الأحزاب فضاءات أمان كما كانت، بل:

كيانات متآكلة

هويات متصدعة

تنظيمات مهددة بالانقسام

فيبكي السياسي لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن المستقبل لم يعد مضمونًا.

رابعًا: البكاء بين الصدق والتوظيف الشعبوي

من المهم التمييز بين نوعين من البكاء السياسي:

1. بكاء صادق (نادر)

نابع من صدمة أخلاقية حقيقية

مرتبط بلحظات اعتراف أو مراجعة

لا يُستثمر إعلاميًا بشكل فجّ

2. بكاء مُوظَّف (الأغلب)

يحدث أمام الكاميرات

يُعاد تدويره إعلاميًا

يُستثمر انتخابيًا أو تنظيميًا

هذا النوع الأخير يندرج ضمن ما يسمى: “شعبوية العاطفة”

حيث تُستبدل البرامج السياسية بالمشاعر الجياشة.

خامسًا: هل أصبح البكاء فطرة سياسية جديدة؟

لا يمكن القول إن البكاء أصبح “فطرة” بالمعنى الطبيعي، لكنه تحوّل إلى:

أداة سياسية مشروعة

وسلوك مقبول داخل الحقل السياسي

ولغة جديدة في زمن أزمة الخطاب العقلاني

إنه مؤشر على:

تراجع السياسة كفنّ للتدبير

صعود السياسة كدراما عاطفية

وانزياح المجال العام من العقل إلى الانفعال

خاتمة

إن بكاء السياسيين في الاجتماعات ليس ظاهرة بريئة ولا عرضية، بل هو:

مرآة لأزمة السلطة

ودليل على خوف النخب من فقدان الامتياز

وتعبير عن قلق عميق تجاه مستقبل غير قابل للتحكم

هو بكاء ليس على الوطن بقدر ما هو على الموقع،

وليس على الفكرة بقدر ما هو على الكرسي،

وفي كثير من الأحيان، ليس شجاعة إنسانية… بل اعتراف غير معلن بنهاية مرحلة.

السبت، 7 فبراير 2026

من البر إلى العقوق : تحولات القيم الأسرية في المجتمع المعاصر من منظور فقهي اجتماعي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

إن بر الوالدين من أعظم الأعمال في الإسلام، وقد خصَّه الله تعالى بذكر كريم في كتابه، وحثَّ عليه النبي ﷺ في سنته وأوصى به في أحاديثه. ومع ذلك فقد لوحظ في المجتمعات المعاصرة ضعف في احترام الوالدين وتنامٍ في حالات العنف والإساءة، سواء كانت لفظية أو جسدية، ما يثير قلق العلماء والمربين حول الآثار الاجتماعية والأخلاقية لهذه الظاهرة.

أولًا: مفهوم بر الوالدين في الشريعة الإسلامية

1. تعريف البر:

البرُّ في اللغة: الإحسان.

وفي الشريعة: إعطاء كل ذي حق حقه من طاعة، واحترام، ومودة، وإكرام.

2. الدلائل الشرعية على فضل بر الوالدين

أ‌. في القرآن الكريم

قوله تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).

ويلي هذه الآية تهديد بالعقوق:

﴿إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 24).

دلائل: الإحسان، وعدم قول “أف”، وعدم التنهد عليهم، والقول الكريم.

قوله تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (لقمان: 14).

ب‌. في السنة النبوية

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر الناس برًّا لوالديه؟ قال: «أكثرهم برًّا: أبرُّهم بأميهما.»

(رواه البخاري ومسلم)

الدلالة: التشديد على بر الوالدين والإحسان إليهما مهما كانت حالتهما.

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:

جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.

(أخرجه البخاري ومسلم)

الدلالة: تعظيم حق الأم قبل الأب.

3. العقوبة في الدنيا والآخرة للعاقّ

وعد الله بالعذاب:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا... وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

ولم يذكر الله بعد الإحسان بالمعصية.

النبي ﷺ قال:

لا يدخل الجنة قاطع.

(رواه البخاري ومسلم)

القول الفقهي: قاطع الرحم يشمل من يقطع صلة الوالدين، ولو بالقلب.

ثانيًا: مظاهر تراجع بر الوالدين وتنامي العنف في العصر المعاصر

1. مظاهر العنف والإساءة

العنف اللفظي: استخدام الألفاظ الجارحة، القذف، السخرية.

العنف الجسدي: الضرب أو الإهمال.

العنف النفسي: التجاهل، التحقير، التهديد.

كل هذه سلوكيات محرَّمة شرعًا وتنافي الإحسان.

2. مظاهر التراجع في البر

العصيان في المنزل.

عدم أداء الحقوق: مبيت الوظيفة والمال دون مشاركة مع الوالدين.

تجاهل نصائحهما.

مقارنة الأبوين بالغير بطريقة تحقيرية.

ثالثًا: أسباب هذه الظاهرة من المنظور الفقهي والتربوي والاجتماعي

1. ضعف التربية الدينية

تدني الوازع الإيماني.

ضعف التربية على الأخلاق منذ الصغر.

غياب القدوة الحسنة في الأسرة.

2. التغيُّرات الثقافية والاجتماعية

النزعة الفردية وتغليب الذات.

الانفتاح غير المحكوم على ثقافات خارجية تُقلل من قيمة الأسرة.

3. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

نشر محتوى يقلِّل من احترام الآباء.

تمجيد العصيان والتمرد على القيم.

4. عوامل نفسية

مشكلات نفسية لدى الأبناء غير معالجَة.

توتر العلاقات نتيجة ضغوط الحياة.

رابعًا: تحليل فقهي للسلوك العاصي تجاه الوالدين

1. حالة العصيان المطلق

إذا كان الوالدان يأمران بمعصية، الشرع ينهى عن طاعتهما في ذلك، مع الإحسان إليهما في غير المعصية.

دلائل: قوله تعالى:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي... فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).

2. العنف ضد الوالدين

كل سلوك مؤذٍ تجاه الوالدين مخالف لقواعد العدل والإحسان في الشريعة.

الفقهاء أجمعوا على تحريم الإيذاء، وأنه من الكبائر.

خامسًا: الأثر الاجتماعي والنفسي لتراجع بر الوالدين

1. على الأسرة

تفتت العلاقات.

ضعف التراحم داخل البيت.

زيادة النزاعات الأسرية.

2. على المجتمع

انتشار العدوانية.

ضعف التضامن الأسري.

3. على الأبناء أنفسهم

اضطرابات نفسية لاحقة.

نقص في الاحترام والتقدير تجاه الكبار بشكل عام.

سادسًا: الحلول المقترحة من منظور فقهي وتربوي

1. التثقيف الديني

دروس مساجد حول فضل بر الوالدين.

خطب جمعة تركز على أخلاق الأسرة.

2. التربية الأسرية

حوارات بين الآباء والأبناء.

حضور دورات في إدارة الغضب وحل النزاعات.

3. تقنين سلوك وسائل التواصل

تنقية المحتوى.

تشجيع المحتوى الذي يدعو إلى الاحترام والبر.

4. الدعم النفسي

استشارة متخصصين في حال وجود مشكلات نفسية.

5. نظام وقائي في المجتمع

برامج مدرسيّة تربوية.

إشراك الفقهاء والمربين في نشر الوعي بالقيم.

خاتمة

إن بر الوالدين واجبٌ شرعي وأخلاقي ثابت بالنصوص من القرآن والسنة، وقد حذر الشرع من العقوق والعنف تجاههما. وما نشهده من تراجع في البر وتنامٍ في العنف يرجع إلى أسباب متعددة اجتماعية وثقافية ونفسية، ويتطلب مواجهة عملية تشمل التثقيف الديني، والتربية المتوازنة، ودعم الأسرة والمجتمع. بهذا النهج يمكن أن نعيد إلى العلاقات بين الأبناء وذويهم ما يرضي الله ويحقِّق السكينة الأسرية.

الجمعة، 6 فبراير 2026

المدارس العتيقة المغربية : تراث تعليمي وإرث ثقافي متكامل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

التعليم العتيق في المغرب: دراسة شاملة ومتوازنة

1. تعريف التعليم العتيق ونشأته

التعليم العتيق هو النظام التعليمي الإسلامي التقليدي الذي نشأ في المغرب منذ دخول الإسلام إلى المنطقة، ويقوم أساسًا على تدريس القرآن الكريم، واللغة العربية، والعلوم الشرعية (الفقه، والتفسير، والحديث)، إضافة إلى مكونات لغوية وأدبية تقليدية. ويُعتبر التعليم العتيق استمرارية لنظام المدرسة القرآنية (الكُتّاب والمساجد) التي كانت تتولى تعليم الأطفال والبنات قراءة القرآن والعلوم الدينية منذ القرون الأولى للإسلام في شمال إفريقيا. 

هذا النوع من التعليم حافظ – تاريخيًا – على هوية التعليم الإسلامي بالمغرب وكان العمود الفقري لنشر العلم واللغة العربية وحفظ القرآن في المجتمعات، إذ كانت حلقات الكُتّاب والمراكز التعليمية الدينية أولى مؤسسات التعليم في المغرب قبل ظهور منظومات التعليم العام الحديث. 

2. مكونات التعليم العتيق

2.1 الكتاتيب القرآنية

• الكتاتيب هي حلقات تعليم القرآن الكريم والكتاب الأول للطالب، وتُقام غالبًا في المساجد أو بجانبها. تدرّس القراءة الصحيحة لحروف القرآن، وأساسيات التجويد، والتحفيظ. 

2.2 المدارس العتيقة

• المدارس العتيقة هي مؤسسات مستقلة أو ملحقة بالمساجد تُطبق برامج تعليمية رسمية في أطوار متعددة:

التعليم الابتدائي العتيق

التعليم الإعدادي العتيق

التعليم الثانوي العتيق

التعليم النهائي العتيق (في بعض الجوامع والمعاهد الكبرى)

هذه الأطوار تشمل مناهج شرعية ولغوية وتؤهل الطلاب لممارسة التعليم الديني، أو العمل كأئمة وخطباء. 

2.3 الزوايا ودورها التربوي

• الزوايا في السياق المغربي ليست مجرد مؤسسات صوفية، بل كانت عبر التاريخ مراكزًا تربوية وعلمية تقليدية تُعلم القرآن والفقه والأذكار وتستضيف حلقات التدريس والمجالس العلمية. هذه الزوايا لعبت دورًا مهمًا في نقل المعرفة والحفاظ على التربية الدينية في المجتمعات المحلية – ولا تزال بعض الزوايا تعمل كأماكن تعليم وتوجيه ديني غير رسمي. 

2.4 المساجد كمراكز تعليمية

• قبل تأسيس المدارس الحديثة، كانت المساجد هي المكان الذي يجتمع فيه الطلاب لحلقات العلم، وتعليم القرآن، والتفسير، والنحو، والفقه. ولا تزال بعض الجوامع الكبرى تستضيف دروسًا علمية مفتوحة وتُعتبر جزءًا من منظومة التعليم العتيق غير النظامي. 

3. التاريخ والأدوار التعليمية

3.1 التاريخ

• منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، عُقدت حلقات التعليم في الكُتّاب والمساجد لتعليم القرآن والعلوم الدينية. 

• في القرون الوسطى، خصوصًا في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، ظهرت المدارس العتيقة بنظام أكثر تنظيمًا وتخصصًا، تضم حصصًا في الفقه المالكي، والحديث، والنحو، والبلاغة، وقدمت تعليمًا شاملاً للعلوم الشرعية واللغة العربية. 

• بعض هذه المدارس التاريخية كان لها شأن عالمي في نشر المعرفة العلمية والشرعية، ومنها مدارس فاس ومراكش وغيرها من المراكز العلمية التي خرجت علماء وفُقهاء وكتابًا مشهورين. 

4. المناهج والأهداف التربوية

4.1 المناهج

• تختلف المناهج في التعليم العتيق عن التعليم العام، فهي ترتكز على:

تحفيظ القرآن الكريم وتجويده

تعليم الفقه المالكي

الحديث الشريف وعلومه

التفسير والاعتقاد

النحو واللغة العربية

في بعض المدارس: الأدب والشعر الإسلامي

هذه المناهج تمثل هوية تربوية متجذرة في التراث الثقافي الإسلامي المغربي. 

4.2 الأهداف

• الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة العربية.

• تخريج أئمة وخطباء وفقيه علمي قادرين على خدمة المجتمع.

• تأهيل الطلاب لممارسة التعليم أو العمل في مجالات دينية وتقليدية.

• الإسهام في تربية النشء على القيم والأخلاق الدينية. 

5. الإحصاءات الحديثة (وفق بيانات وزارة الأوقاف)

• التعليم العتيق في المغرب يشمل:

الكتاتيب القرآنية التي تُدرّس للقراءة والتحفيظ.

المدارس العتيقة لمرحلة التعليم الابتدائي حتى النهائي ضمن منظومة رسمية تحت إشراف وزارة الأوقاف. 

• في إطار الإحصاء القديم نسبيًا، كان عدد المدارس العتيقة نحو 289 مدرسة مع أكثر من 32 ألف طالب، إضافة إلى عشرات آلاف الطلبة في الكتاتيب القرآنية المنتشرة. 

6. التحديات الراهنة والتطوير

6.1 التحديات

أبرز ما تواجهه منظومة التعليم العتيق في المغرب:

• النظرة الدونية تجاه خريجي التعليم العتيق مقارنة بالتعليم العام.

• ضعف الاعتراف الأكاديمي بمؤهلات الخريجين في سوق العمل الأوسع.

• الحاجة إلى تدريب تربوي وتحديث للمناهج. 

6.2 الجهود الإصلاحية الحديثة

وزارة الأوقاف تعمل على:

• تأهيل وبناء مؤسسات جديدة للتعليم العتيق وتحديث البنيات التحتية.

• تنظيم دورات تكوينية للمعلمين والمربين.

• إصدار برامج ومناهج دراسية مع امتحانات موحدة.

• تشجيع التكامل مع منظومة التعليم العام جزئيًا. 

7. الخلاصة

التعليم العتيق في المغرب ليس مجرد نظام تعليمي ديني تقليدي، بل مرآة تاريخية وثقافية عريقة حافظت على تعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغة العربية عبر قرون. هو نظام متعدد الوجوه يشمل الكتاتيب، المدارس العتيقة، الزوايا، والمساجد، ويؤدي أدوارًا تربوية واجتماعية مهمة في المجتمع المغربي الحديث، رغم التحديات المعاصرة في الاندماج والتطوير الأكاديمي.

السبت، 31 يناير 2026

الجمع بين عبد الهادي بلخياط والشيخ الداعية سعيد الزياني والعلاقة بينهما

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!



 لم يكن اللقاء الذي جمع بين عبد الهادي بلخياط وبين الشيخ الداعية سعيد الزياني -رحمهما الله- مجرد لحظة عابرة، بل كان توفيقا ساقهُ الله لعبده عبد الهادي ليُخرجه من ظلمات الغفلة إلى نور الهداية.

 بدأت قصة توبة عبد الهادي حين تناهى إلى سمعه خبرُ توبة سعيد الزياني، وكيف فرّ بدينه من فتنة الشهرة.. حُكي له أن الزياني سُئل في أيام غفلته: "أنت اسمك سعيد.. فهل أنت فعلاً سعيد؟"، فأجاب بلسان الفطرة التي فطر الناس عليها: "أنا سعيـ.. (بلا دال)، وسأبحث عن الحرف المفقود!".

 وما هي إلا شهور حتى شرح الله صدر الزياني للتوبة، فعاد ليعلنها مدوية توقظ الغافلين: "لقد وجدتُ الدال المفقودة.. وجدتها في الدين والدعوة".

 وشاء الله أن يسوق بلخياط إلى بلجيكا، ليقيمه في مقام اختبار وابتلاء. هناك في المطار، وجد نفسه بين داعييْن:

داع يدعوه إلى الله والدار الآخرة تمثل في الشيخ الزياني وصَحبه من أهل الدعوة بوجوههم النيرة المُباركة.

وداع يدعوه إلى الدنيا وزخرفها تمثل في متعهدي السهرات والحفلات.

 يقول بلخياط واصفا تلك اللحظة التي قذف الله فيها النور في قلبه: تحيّرت بادئ الأمر، لكنَّ الله ألهمني الرشد، فقررت أن أتبع أصحاب العمائم واللحى.

 كان ذلك الاختيار نجاته من الفن والرذيلة، صحبهم فرأى في اجتماعاتهم ببريطانيا عجبا؛ رأى مئات الرجال بملابس السنة البيضاء، يتحابون في الله بلا دنيا تجمعهم، فتساءل بذهول: هل بقي في الأرض مثل هؤلاء الصالحين؟.

حينها عزم على "الخروج في سبيل الله مع جماعة الدعوة والتبليغ"، ليتذوق حلاوة الإيمان التي حرم منها طويلا، قائلا: عرفتُ حينها أن الغاية من الخلق هي معرفة الله ومحبة رسوله ﷺ.

 واليوم، وقد أفضى الشيخ عبد الهادي إلى ما قدّم، وختم الله له بخاتمة الدعاة الذاكرين؛ نرى أقواما -هداهم الله- يصرون على تجديد أحزانه ومبارزة الله بالمعاصي عبر نشر ماضيه الذي تاب منه.

 فيا أيها الناشر لتلك الصور والمقاطع.. اتقِ الله في أخيك المسلم..! الرجلُ تاب وأناب، واختار الله والدار الآخرة، وتبرأ من تلك الألقاب وتلك الحال، فلا تكن عونا للشيطان عليه في قبره، ولا تحمل وزركَ ووزره.. إن حق الأخوة الإسلامية يوجب عليك الستر والدعاء له بالرحمة، ونشر مآثره في الدعوة والقرآن، لا إحياء ما أماته الله بتوبته.

 رحم الله الشيخين سعيد الزياني وعبد الهادي بلخياط، وجمعنا بهم في مستقر رحمته.

الأربعاء، 28 يناير 2026

كتاب: "الحصيلة قبل الفاصلة ونقطة النهاية"(تحت الطبع




بقلم الباحث: خليفة مزضوضي
يأتي كتاب "الحصيلة قبل الفاصلة ونقطة النهاية" كصدمة إيجابية في المشهد الثقافي والسياسي المغربي، ليقطع مع زمن المجاملات ويؤسس لثقافة "المكاشفة". هو ليس مجرد سرد لسير ذاتية، بل هو محاكمة معرفية وتوثيقية لمرحلة فارقة من تاريخ المملكة.
جوهر المؤلف
يغوص الباحث خليفة مزضوضي في كواليس القرار، مستعرضاً مسارات 200 شخصية تقلدت أمانة المسؤولية في البرلمان والسياسة والعلم والثقافة. الكتاب يرسم بجرأة خارطة البصمات التي تركتها هذه الأسماء؛ محتفياً بالإيجابي منها الذي خدم الوطن، ومسلطاً الضوء على السلبي الذي أدى ببعضهم إلى ردهات المحاكم ومنصات التوقيف.
لماذا يُعد هذا الكتاب قفزة نوعية؟
ربط المسؤولية بالمحاسبة: يجسد الكتاب التوجه الملكي والدستوري الجديد، محولاً الشعار إلى مادة دسمة للتحليل والتقييم، خاصة في ظل الولاية التشريعية الأخيرة التي شهدت زلزال المتابعات القضائية.
محاربة الهدر العام: يضع الباحث يده على الجرح، راصداً كيف تحولت المسؤولية لدى البعض من "تكليف" إلى وسيلة "للهدر"، مما يجعله مرجعاً لكل مهتم بحماية المال العام.
التوثيق للمستقبل: الكتاب يضع "نقطة النهاية" لممارسات قديمة، ويفتح "فاصلة" لمرحلة جديدة من النزاهة والشفافية.
كلمة ختامية
إن هذا العمل هو صرخة بحثية تستمد قوتها من واقع المتغيرات التي يعيشها المغرب، وهو بمثابة مرآة تعكس وجوه من سيروا الشأن العام، ليبقى الحكم الأخير للتاريخ وللقارئ المغربي الشغوف بالحقائق.
"الحصيلة قبل الفاصلة.. هي كشف حساب وطني بامتياز، تفرضه ضرورة المرحلة وتستوجبه أمانة القلم."

الاثنين، 26 يناير 2026

التغيرات الهرمونية الجنسية بين الجنسين في الآونة الأخيرة : الأسباب البيئية والصحية والانعكاسات السوسيولوجية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

 المقدّمة

الهرمونات الجنسية مثل التستوستيرون (testosterone) لدى الرجال والإستروجين (estrogen/progesterone) لدى النساء هي مركبات كيميائية منتجة أساسًا من الغدد التناسلية وتلعب دورًا رئيسيًا في التطوّر الجنسي، الوظائف الإنجابية، والبيولوجيا الجسمانية العامّة. يتكون هذا النظام من شبكة معقّدة تشمل الدماغ والغدة النخامية والغدد التناسلية (المبايض عند النساء والخصيتين عند الرجال).

هناك اهتمام متزايد في المجتمع العلمي بتغيرات مستويات هذه الهرمونات في السكان على مدى العقود والقيم المرتبطة بذلك، مع تركيز خاص على تأثيرات البيئة، نمط الحياة، والظروف الصحية العامة.

 أولاً: ما هي الهرمونات الجنسية الرئيسية؟

التستوستيرون: هرمون ثانوي موجود لدى الرجال والنساء لكنه أكثر وفرة لدى الرجال (عادةً 300-1000 نانوغرام/ديسيلتر عند الرجال مقابل 15-70 عند النساء). 

Wikipédia

الإستروجين والبروجسترون: مهمتان بشكل رئيسي لدى النساء، تتحكّمان في الدورة الشهرية والحمل والخصوبة. 

מכון דוידסון לחינוך מדעי

📉 ثانياً: الانخفاض الملاحَظ في الهرمونات لدى الرجال

1. انخفاض التستوستيرون مع الزمن والعمر

يُلاحظ في العديد من الدراسات الحديثة أن مستويات هرمون التستوستيرون لدى الذكور البالغين تميل إلى الانخفاض بمعدلات أعلى مما كان عليه في الماضي، وهو أمر موثق في أبحاث طويلة الأجل. الأسباب غير مفهومة بالكامل لكنها تشمل:

التقدم في العمر: الإنتاج يقلّ تدريجيًا بعد سن الثلاثين-الأربعين. 

الطبي

البدانة: تراكم الدهون يغيِّر التوازن الهرموني. 

الطبي

التلوث البيئي والمواد الكيميائية: مركبات مثل PFAS ومبيدات الحشرات معروفة بتأثيرها كمُعطِّلات صمّاء في الجهاز الهرموني (endocrine disrupters)، وقد ترتبط بتغيرات في مستويات هرمونات الذكورة. 

PMC +1

نمط الحياة الحديث: التوتر، الخمول، سوء التغذية واضطرابات النوم يمكن أن تُسهم في انخفاض مستويات التستوستيرون. 

الطبي

تُظهر مراجعات علمية وجود ارتباط بين التعرض لمواد معطِّلة للهرمونات وانخفاض مستويات هرمون الذكورة وجودة السائل المنوي لدى الرجال، مما يشير إلى تراجع عام في الصحة الإنجابية الذكرية. 

Frontiers

📈 ثالثاً: هل هناك زيادة في الهرمونات الجنسية لدى النساء؟

ليس هناك دليل قوي من الدراسات السكانية على “زيادة عامة” في مستويات الإستروجين أو الهرمونات الجنسية لدى النساء بصفتها ظاهرة عالمية جديدة، لكن هناك عوامل بيئية وصحية يمكن أن تؤثر على مستوياتها:

1. التعرّض للمواد المعطِّلة للهرمونات

بعض المواد الكيميائية التي تؤثر على النظام الهرموني يمكن أن تقلّد الإستروجين أو تغيّر نشاطه في الجسم، مما قد يؤثر على تنظيم الدورة الشهرية أو الصحة الإنجابية. 

ScienceDirect

2. حالات طبية معيّنة

مثل متلازمة المبيض متعدد الكيسات (PCOS)، وهي حالة شائعة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في الأندروجينات (هرمونات الذكورة عند النساء) لدى نسبة من النساء. 

Wikipédia

هذه الحالات لا تعني بالضرورة “زيادة عامة في الهرمونات لدى كل النساء”، لكنها تعكس أن هناك تفاوتًا في مستويات الهرمونات تبعًا للصحة الفردية والعوامل البيئية.

 رابعاً: العوامل البيئية وتأثيراتها على الهرمونات

1. المواد المعطِّلة للهرمونات (Endocrine Disruptors)

تشمل مواد مثل:

PFAS والفثالات في البلاستيك.

مبيدات الحشرات وصناعات كيميائية أخرى.

هذه المواد يمكن أن تتداخل مع وظائف الهرمونات الجنسية عبر:

شبيهتها بالهرمونات في الجسم.

تغيّر نسبة الناقلات البروتينية للهرمونات (مثل SHBG). 

Wikipédia

تدخل في نظم الإشارات الهرمونية الحيوية. 

Parlement européen

أبحاث عديدة تربط التعرض لهذه المواد بتغيير مستويات الهرمونات في مختبرات حيوانية وبشرية، وتثير اهتمام العلماء بشأن تأثيرها على الصحة الإنجابية والهرمونية العامة في السكان. 

Springer Nature Link

 خامساً: حدود الأبحاث والعلم

لا توجد أدلة قاطعة على أن هناك “زيادة عامة” في هرمونات الإناث على مستوى السكان العالمي، وإنما هناك تباين طبيعي وتغيّرات بسبب العمر، الصحة والبيئة.

الدلالات على انخفاض مستويات التستوستيرون لدى الرجال في بعض السكان أكثر وضوحًا في الأدبيات العلمية، وخاصة عند تعرّضهم للمواد الملوِّثة وتراجع جودة الصحة الإنجابية، لكن الأسباب متعددة ومعقدة. 

Frontiers

 الخلاصة

التستوستيرون لدى الرجال يميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر وعوامل نمط الحياة والتعرض للمواد البيئية، وهناك بعض الأدلة على أن هذه الظاهرة قد تكون أكثر وضوحًا في العقود الماضية.

ارتفاع الهرمونات لدى النساء ليس ظاهرة مؤكّدة بشكل عام على المستوى السكاني، لكن هناك حالات طبية وعوامل بيئية يمكن أن تُؤثر على مستويات الهرمونات لدى مجموعات معينة من النساء.

العوامل البيئية مثل المواد المعطِّلة للهرمونات تلعب دورًا مهمًا في فهم هذا التغير، وتستدعي مزيدًا من البحث العلمي لفهم تأثيراتها على المدى الطويل.


📖