بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق الوطني للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية.
مقدمة
يُعدّ موضوع البلاء والابتلاء من القضايا المركزية في البناء العقدي والتربوي في الإسلام، لما له من ارتباط وثيق بمفهوم الإيمان، والقدر، والحكمة الإلهية، وسير الإنسان نحو الكمال الروحي والأخلاقي. فالبلاء ليس مجرد حدث عارض في حياة الإنسان، بل هو سنّة كونية إلهية جارية في الخلق كافة، أفرادًا وجماعات. ويهدف هذا البحث إلى تقديم معالجة أكاديمية موسعة لمفهوم البلاء والابتلاء، من حيث دلالتهما اللغوية والاصطلاحية، وأبعادهما العقدية، وأنواعهما، وحِكمهما، وآثارهما التربوية والاجتماعية، مدعومًا بالنصوص القرآنية والحديثية وأقوال العلماء.
أولاً: المفهوم اللغوي والاصطلاحي
1. البلاء في اللغة
البلاء مشتق من الفعل "بلا" بمعنى اختبر وامتحن. جاء في لسان العرب: "بلاه الله بلاءً أي اختبره وامتحنه". والبلاء قد يكون بالخير أو بالشر.
2. البلاء في الاصطلاح الشرعي
البلاء هو: ما يقدّره الله تعالى على عباده من خير أو شر بقصد الاختبار والتمحيص ورفع الدرجات أو التكفير عن السيئات.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾
(سورة الأنبياء: 35)
فدلّ النص على أن الابتلاء يشمل النعمة كما يشمل المصيبة.
ثانياً: الابتلاء سنة كونية عامة
الابتلاء قانون إلهي شامل لا يستثني أحدًا، حتى الأنبياء عليهم السلام، بل هم أشد الناس ابتلاءً.
1. ابتلاء الأنبياء
أيوب: ابتُلي في جسده وماله وأهله، فكان مثالًا للصبر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (ص: 44).
إبراهيم: ابتُلي في عقيدته، وولده، ووطنه، وماله.
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: 124).
محمد ﷺ: تعرّض للأذى والاضطهاد والحروب وفقد الأحبة.
قال ﷺ:
«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (رواه الترمذي).
ثالثاً: أنواع البلاء
1. البلاء بالشر (المحن والمصائب)
كالفقر، المرض، الخوف، فقدان الأحبة.
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...﴾ (البقرة: 155)
2. البلاء بالخير (النعم)
كالمال، السلطة، الصحة، الجاه.
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ (الفجر: 15)
وهذا النوع أشد خطورة؛ لأنه قد يؤدي إلى الغرور والطغيان إن لم يُقابل بالشكر.
رابعاً: الحكم والمقاصد من الابتلاء
1. تحقيق العبودية الخالصة
الابتلاء يكشف حقيقة الإيمان ويميز الصادق من المدّعي.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)
2. تمحيص الذنوب وتكفير السيئات
قال ﷺ:
«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب... حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» (متفق عليه).
3. رفع الدرجات
قد يبتلي الله عبده ليبلغه منزلة لا يصلها بعمله فقط.
4. التربية الروحية
البلاء يربي النفس على:
الصبر
التوكل
الرضا
الزهد في الدنيا
خامساً: الفرق بين البلاء والعقوبة
ليس كل بلاء عقوبة.
الضابط في ذلك:
إن قاد البلاء إلى التوبة والرجوع إلى الله فهو رحمة.
وإن قاد إلى التمادي في الغفلة فهو استدراج.
قال تعالى:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 182)
سادساً: الموقف الشرعي من البلاء
1. الصبر
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)
2. الرضا بالقضاء
وهو مرتبة أعلى من الصبر.
3. الدعاء والأخذ بالأسباب
لا يتعارض الصبر مع طلب العلاج أو السعي لتغيير الواقع.
سابعاً: الأبعاد الاجتماعية للبلاء
تقوية روح التكافل
تنمية التعاطف المجتمعي
إعادة ترتيب الأولويات
اختبار صلابة الأمم
وقد شهد التاريخ الإسلامي ابتلاءات جماعية (كالمجاعات والحروب) كانت سببًا في نهضة روحية وفكرية.
ثامناً: البلاء في ضوء الفكر الإسلامي المقارن
يرى علماء العقيدة مثل أبو حامد الغزالي أن البلاء يحمل في باطنه أسرارًا تربوية قد لا يدركها العقل الجزئي.
كما ناقش ابن تيمية مفهوم الابتلاء باعتباره من لوازم العبودية وتمام المحبة لله، واعتبر أن المصيبة قد تكون نعمة في حقيقتها.
تاسعاً: البلاء بين القضاء والقدر
الإيمان بالابتلاء مرتبط بالإيمان بالقضاء والقدر، وهو أحد أركان الإيمان الستة.
فالإنسان مأمور بالسعي والعمل، مع التسليم بأن النتائج بيد الله.
عاشراً: خاتمة
يتضح من خلال هذا العرض أن البلاء والابتلاء ليسا مظاهر عبثية في الحياة، بل هما جزء من نظام إلهي دقيق يهدف إلى تهذيب النفس، وتمحيص الإيمان، ورفع الدرجات، وإعداد الإنسان لدوره الاستخلافي في الأرض. فالبلاء مدرسة إيمانية عميقة، به تتمايز النفوس، وتترقى الأرواح، وتتحقق العبودية الحقة لله تعالى.
أهم النتائج
البلاء يشمل الخير والشر معًا.
الابتلاء سنة إلهية عامة تشمل الأنبياء والصالحين.
البلاء ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون رحمة.
الموقف الصحيح من البلاء هو الصبر والرضا مع الأخذ بالأسباب.
للبلاء أبعاد فردية واجتماعية وحضارية .






