بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
هل أصبح بكاء السياسيين في الاجتماعات فِطرة؟
بين البعد الإنساني، والخوف الوجودي، والبكاء على السلطة والمناصب
مقدّمة
عرف الحقل السياسي، تاريخيًا، ارتباطه بالعقلانية، والحسابات الباردة، وضبط الانفعال، باعتبار السياسة مجالًا لإدارة الصراع والمصلحة والقوة. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا في المشهد السياسي العالمي والعربي، تمثّل في ظهور البكاء كفعل سياسي علني داخل الاجتماعات والملتقيات الحزبية والرسمية.
هذا التحوّل يطرح إشكالًا مركزيًا:
هل نحن أمام عودة “الفطرة الإنسانية” إلى الفعل السياسي؟
أم أمام بكاءٍ وظيفيٍّ مرتبط بالخوف من فقدان السلطة والمكانة؟
أم أنّه تعبير عن قلق وجودي عميق في زمن اهتزاز اليقين السياسي؟
أولًا: البكاء في السياسة – من السلوك الإنساني إلى الفعل الرمزي
من منظور أنثروبولوجي، يُعدّ البكاء استجابة إنسانية فطرية للضغط، الفقد، الخوف، أو العجز. غير أنّ انتقاله إلى المجال السياسي يحوّله من فعل تلقائي إلى سلوك دلالي مشحون بالرمزية.
في السياسة، لا يُقرأ البكاء بوصفه دموعًا فقط، بل بوصفه:
رسالة إلى القاعدة الحزبية
تعبيرًا عن أزمة قيادة
أو محاولة لاستدرار التعاطف وإعادة الشرعية
وهنا يصبح البكاء خطابًا غير لغوي، يخضع للتأويل مثل الخطب والبيانات.
ثانيًا: بكاء على الكراسي والمناصب – خوف النخب من السقوط
يرتبط جزء كبير من بكاء السياسيين المعاصرين بما يسميه علماء السياسة: “قلق فقدان الامتياز” (Anxiety of Power Loss)
1. السلطة كهوية
بالنسبة لكثير من السياسيين، لم تعد السلطة وظيفة مؤقتة، بل:
مصدرًا للهوية
ضمانًا اجتماعيًا
أداة نفوذ رمزي ومادي
وعليه، فإن التهديد بفقدان المنصب يُترجم نفسيًا إلى:
إحساس بالفراغ
خوف من التهميش
انهيار صورة الذات السياسية
في هذه الحالة، يكون البكاء بكاءً على الذات السلطوية أكثر منه على الوطن أو المشروع السياسي.
2. هشاشة الشرعية
حين تضعف الشرعية الانتخابية أو الأخلاقية، يلجأ السياسي إلى:
العاطفة بدل البرنامج
الدموع بدل الرؤية
الاستعطاف بدل الإقناع
فيتحول البكاء إلى آلية دفاع سياسي في لحظة العجز.
ثالثًا: البكاء كخوف مما هو آتٍ – السياسة في زمن اللايقين
لا يمكن فصل ظاهرة بكاء السياسيين عن السياق العالمي العام، الموسوم بـ:
الأزمات الاقتصادية
تصاعد الاحتجاجات
تآكل الثقة في الأحزاب
صعود الشعبوية
في هذا السياق، يظهر ما يسميه زيغمونت باومان: “الخوف السائل”
وهو خوف غير محدد المصدر، لكنه دائم الحضور.
1. الخوف من المحاسبة
في كثير من الحالات، يكون البكاء تعبيرًا غير مباشر عن:
خوف من المساءلة التاريخية
قلق من المحاكمات السياسية أو الأخلاقية
إدراك متأخر لفشل المشروع أو الخطاب
2. نهاية اليقين الحزبي
لم تعد الأحزاب فضاءات أمان كما كانت، بل:
كيانات متآكلة
هويات متصدعة
تنظيمات مهددة بالانقسام
فيبكي السياسي لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن المستقبل لم يعد مضمونًا.
رابعًا: البكاء بين الصدق والتوظيف الشعبوي
من المهم التمييز بين نوعين من البكاء السياسي:
1. بكاء صادق (نادر)
نابع من صدمة أخلاقية حقيقية
مرتبط بلحظات اعتراف أو مراجعة
لا يُستثمر إعلاميًا بشكل فجّ
2. بكاء مُوظَّف (الأغلب)
يحدث أمام الكاميرات
يُعاد تدويره إعلاميًا
يُستثمر انتخابيًا أو تنظيميًا
هذا النوع الأخير يندرج ضمن ما يسمى: “شعبوية العاطفة”
حيث تُستبدل البرامج السياسية بالمشاعر الجياشة.
خامسًا: هل أصبح البكاء فطرة سياسية جديدة؟
لا يمكن القول إن البكاء أصبح “فطرة” بالمعنى الطبيعي، لكنه تحوّل إلى:
أداة سياسية مشروعة
وسلوك مقبول داخل الحقل السياسي
ولغة جديدة في زمن أزمة الخطاب العقلاني
إنه مؤشر على:
تراجع السياسة كفنّ للتدبير
صعود السياسة كدراما عاطفية
وانزياح المجال العام من العقل إلى الانفعال
خاتمة
إن بكاء السياسيين في الاجتماعات ليس ظاهرة بريئة ولا عرضية، بل هو:
مرآة لأزمة السلطة
ودليل على خوف النخب من فقدان الامتياز
وتعبير عن قلق عميق تجاه مستقبل غير قابل للتحكم
هو بكاء ليس على الوطن بقدر ما هو على الموقع،
وليس على الفكرة بقدر ما هو على الكرسي،
وفي كثير من الأحيان، ليس شجاعة إنسانية… بل اعتراف غير معلن بنهاية مرحلة.






