بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة
إن بر الوالدين من أعظم الأعمال في الإسلام، وقد خصَّه الله تعالى بذكر كريم في كتابه، وحثَّ عليه النبي ﷺ في سنته وأوصى به في أحاديثه. ومع ذلك فقد لوحظ في المجتمعات المعاصرة ضعف في احترام الوالدين وتنامٍ في حالات العنف والإساءة، سواء كانت لفظية أو جسدية، ما يثير قلق العلماء والمربين حول الآثار الاجتماعية والأخلاقية لهذه الظاهرة.
أولًا: مفهوم بر الوالدين في الشريعة الإسلامية
1. تعريف البر:
البرُّ في اللغة: الإحسان.
وفي الشريعة: إعطاء كل ذي حق حقه من طاعة، واحترام، ومودة، وإكرام.
2. الدلائل الشرعية على فضل بر الوالدين
أ. في القرآن الكريم
قوله تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).
ويلي هذه الآية تهديد بالعقوق:
﴿إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 24).
دلائل: الإحسان، وعدم قول “أف”، وعدم التنهد عليهم، والقول الكريم.
قوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (لقمان: 14).
ب. في السنة النبوية
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر الناس برًّا لوالديه؟ قال: «أكثرهم برًّا: أبرُّهم بأميهما.»
(رواه البخاري ومسلم)
الدلالة: التشديد على بر الوالدين والإحسان إليهما مهما كانت حالتهما.
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.
(أخرجه البخاري ومسلم)
الدلالة: تعظيم حق الأم قبل الأب.
3. العقوبة في الدنيا والآخرة للعاقّ
وعد الله بالعذاب:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا... وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).
ولم يذكر الله بعد الإحسان بالمعصية.
النبي ﷺ قال:
لا يدخل الجنة قاطع.
(رواه البخاري ومسلم)
القول الفقهي: قاطع الرحم يشمل من يقطع صلة الوالدين، ولو بالقلب.
ثانيًا: مظاهر تراجع بر الوالدين وتنامي العنف في العصر المعاصر
1. مظاهر العنف والإساءة
العنف اللفظي: استخدام الألفاظ الجارحة، القذف، السخرية.
العنف الجسدي: الضرب أو الإهمال.
العنف النفسي: التجاهل، التحقير، التهديد.
كل هذه سلوكيات محرَّمة شرعًا وتنافي الإحسان.
2. مظاهر التراجع في البر
العصيان في المنزل.
عدم أداء الحقوق: مبيت الوظيفة والمال دون مشاركة مع الوالدين.
تجاهل نصائحهما.
مقارنة الأبوين بالغير بطريقة تحقيرية.
ثالثًا: أسباب هذه الظاهرة من المنظور الفقهي والتربوي والاجتماعي
1. ضعف التربية الدينية
تدني الوازع الإيماني.
ضعف التربية على الأخلاق منذ الصغر.
غياب القدوة الحسنة في الأسرة.
2. التغيُّرات الثقافية والاجتماعية
النزعة الفردية وتغليب الذات.
الانفتاح غير المحكوم على ثقافات خارجية تُقلل من قيمة الأسرة.
3. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
نشر محتوى يقلِّل من احترام الآباء.
تمجيد العصيان والتمرد على القيم.
4. عوامل نفسية
مشكلات نفسية لدى الأبناء غير معالجَة.
توتر العلاقات نتيجة ضغوط الحياة.
رابعًا: تحليل فقهي للسلوك العاصي تجاه الوالدين
1. حالة العصيان المطلق
إذا كان الوالدان يأمران بمعصية، الشرع ينهى عن طاعتهما في ذلك، مع الإحسان إليهما في غير المعصية.
دلائل: قوله تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي... فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (لقمان: 14).
2. العنف ضد الوالدين
كل سلوك مؤذٍ تجاه الوالدين مخالف لقواعد العدل والإحسان في الشريعة.
الفقهاء أجمعوا على تحريم الإيذاء، وأنه من الكبائر.
خامسًا: الأثر الاجتماعي والنفسي لتراجع بر الوالدين
1. على الأسرة
تفتت العلاقات.
ضعف التراحم داخل البيت.
زيادة النزاعات الأسرية.
2. على المجتمع
انتشار العدوانية.
ضعف التضامن الأسري.
3. على الأبناء أنفسهم
اضطرابات نفسية لاحقة.
نقص في الاحترام والتقدير تجاه الكبار بشكل عام.
سادسًا: الحلول المقترحة من منظور فقهي وتربوي
1. التثقيف الديني
دروس مساجد حول فضل بر الوالدين.
خطب جمعة تركز على أخلاق الأسرة.
2. التربية الأسرية
حوارات بين الآباء والأبناء.
حضور دورات في إدارة الغضب وحل النزاعات.
3. تقنين سلوك وسائل التواصل
تنقية المحتوى.
تشجيع المحتوى الذي يدعو إلى الاحترام والبر.
4. الدعم النفسي
استشارة متخصصين في حال وجود مشكلات نفسية.
5. نظام وقائي في المجتمع
برامج مدرسيّة تربوية.
إشراك الفقهاء والمربين في نشر الوعي بالقيم.
خاتمة
إن بر الوالدين واجبٌ شرعي وأخلاقي ثابت بالنصوص من القرآن والسنة، وقد حذر الشرع من العقوق والعنف تجاههما. وما نشهده من تراجع في البر وتنامٍ في العنف يرجع إلى أسباب متعددة اجتماعية وثقافية ونفسية، ويتطلب مواجهة عملية تشمل التثقيف الديني، والتربية المتوازنة، ودعم الأسرة والمجتمع. بهذا النهج يمكن أن نعيد إلى العلاقات بين الأبناء وذويهم ما يرضي الله ويحقِّق السكينة الأسرية.






