بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
التعليم العتيق في المغرب: دراسة شاملة ومتوازنة
1. تعريف التعليم العتيق ونشأته
التعليم العتيق هو النظام التعليمي الإسلامي التقليدي الذي نشأ في المغرب منذ دخول الإسلام إلى المنطقة، ويقوم أساسًا على تدريس القرآن الكريم، واللغة العربية، والعلوم الشرعية (الفقه، والتفسير، والحديث)، إضافة إلى مكونات لغوية وأدبية تقليدية. ويُعتبر التعليم العتيق استمرارية لنظام المدرسة القرآنية (الكُتّاب والمساجد) التي كانت تتولى تعليم الأطفال والبنات قراءة القرآن والعلوم الدينية منذ القرون الأولى للإسلام في شمال إفريقيا.
هذا النوع من التعليم حافظ – تاريخيًا – على هوية التعليم الإسلامي بالمغرب وكان العمود الفقري لنشر العلم واللغة العربية وحفظ القرآن في المجتمعات، إذ كانت حلقات الكُتّاب والمراكز التعليمية الدينية أولى مؤسسات التعليم في المغرب قبل ظهور منظومات التعليم العام الحديث.
2. مكونات التعليم العتيق
2.1 الكتاتيب القرآنية
• الكتاتيب هي حلقات تعليم القرآن الكريم والكتاب الأول للطالب، وتُقام غالبًا في المساجد أو بجانبها. تدرّس القراءة الصحيحة لحروف القرآن، وأساسيات التجويد، والتحفيظ.
2.2 المدارس العتيقة
• المدارس العتيقة هي مؤسسات مستقلة أو ملحقة بالمساجد تُطبق برامج تعليمية رسمية في أطوار متعددة:
التعليم الابتدائي العتيق
التعليم الإعدادي العتيق
التعليم الثانوي العتيق
التعليم النهائي العتيق (في بعض الجوامع والمعاهد الكبرى)
هذه الأطوار تشمل مناهج شرعية ولغوية وتؤهل الطلاب لممارسة التعليم الديني، أو العمل كأئمة وخطباء.
2.3 الزوايا ودورها التربوي
• الزوايا في السياق المغربي ليست مجرد مؤسسات صوفية، بل كانت عبر التاريخ مراكزًا تربوية وعلمية تقليدية تُعلم القرآن والفقه والأذكار وتستضيف حلقات التدريس والمجالس العلمية. هذه الزوايا لعبت دورًا مهمًا في نقل المعرفة والحفاظ على التربية الدينية في المجتمعات المحلية – ولا تزال بعض الزوايا تعمل كأماكن تعليم وتوجيه ديني غير رسمي.
2.4 المساجد كمراكز تعليمية
• قبل تأسيس المدارس الحديثة، كانت المساجد هي المكان الذي يجتمع فيه الطلاب لحلقات العلم، وتعليم القرآن، والتفسير، والنحو، والفقه. ولا تزال بعض الجوامع الكبرى تستضيف دروسًا علمية مفتوحة وتُعتبر جزءًا من منظومة التعليم العتيق غير النظامي.
3. التاريخ والأدوار التعليمية
3.1 التاريخ
• منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، عُقدت حلقات التعليم في الكُتّاب والمساجد لتعليم القرآن والعلوم الدينية.
• في القرون الوسطى، خصوصًا في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، ظهرت المدارس العتيقة بنظام أكثر تنظيمًا وتخصصًا، تضم حصصًا في الفقه المالكي، والحديث، والنحو، والبلاغة، وقدمت تعليمًا شاملاً للعلوم الشرعية واللغة العربية.
• بعض هذه المدارس التاريخية كان لها شأن عالمي في نشر المعرفة العلمية والشرعية، ومنها مدارس فاس ومراكش وغيرها من المراكز العلمية التي خرجت علماء وفُقهاء وكتابًا مشهورين.
4. المناهج والأهداف التربوية
4.1 المناهج
• تختلف المناهج في التعليم العتيق عن التعليم العام، فهي ترتكز على:
تحفيظ القرآن الكريم وتجويده
تعليم الفقه المالكي
الحديث الشريف وعلومه
التفسير والاعتقاد
النحو واللغة العربية
في بعض المدارس: الأدب والشعر الإسلامي
هذه المناهج تمثل هوية تربوية متجذرة في التراث الثقافي الإسلامي المغربي.
4.2 الأهداف
• الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة العربية.
• تخريج أئمة وخطباء وفقيه علمي قادرين على خدمة المجتمع.
• تأهيل الطلاب لممارسة التعليم أو العمل في مجالات دينية وتقليدية.
• الإسهام في تربية النشء على القيم والأخلاق الدينية.
5. الإحصاءات الحديثة (وفق بيانات وزارة الأوقاف)
• التعليم العتيق في المغرب يشمل:
الكتاتيب القرآنية التي تُدرّس للقراءة والتحفيظ.
المدارس العتيقة لمرحلة التعليم الابتدائي حتى النهائي ضمن منظومة رسمية تحت إشراف وزارة الأوقاف.
• في إطار الإحصاء القديم نسبيًا، كان عدد المدارس العتيقة نحو 289 مدرسة مع أكثر من 32 ألف طالب، إضافة إلى عشرات آلاف الطلبة في الكتاتيب القرآنية المنتشرة.
6. التحديات الراهنة والتطوير
6.1 التحديات
أبرز ما تواجهه منظومة التعليم العتيق في المغرب:
• النظرة الدونية تجاه خريجي التعليم العتيق مقارنة بالتعليم العام.
• ضعف الاعتراف الأكاديمي بمؤهلات الخريجين في سوق العمل الأوسع.
• الحاجة إلى تدريب تربوي وتحديث للمناهج.
6.2 الجهود الإصلاحية الحديثة
وزارة الأوقاف تعمل على:
• تأهيل وبناء مؤسسات جديدة للتعليم العتيق وتحديث البنيات التحتية.
• تنظيم دورات تكوينية للمعلمين والمربين.
• إصدار برامج ومناهج دراسية مع امتحانات موحدة.
• تشجيع التكامل مع منظومة التعليم العام جزئيًا.
7. الخلاصة
التعليم العتيق في المغرب ليس مجرد نظام تعليمي ديني تقليدي، بل مرآة تاريخية وثقافية عريقة حافظت على تعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغة العربية عبر قرون. هو نظام متعدد الوجوه يشمل الكتاتيب، المدارس العتيقة، الزوايا، والمساجد، ويؤدي أدوارًا تربوية واجتماعية مهمة في المجتمع المغربي الحديث، رغم التحديات المعاصرة في الاندماج والتطوير الأكاديمي.






