الأربعاء، 21 يناير 2026

جدلية الأصالة والتجديد في المنظومة التربية الإسلامية : التعليم العتيق والتعليم الاصيل نموذجا

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ التعليم من أهم الركائز التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية وحفظ هويتها الدينية والثقافية، وقد تميّزت المنظومة التعليمية الإسلامية بتنوّع أنماطها واختلاف صيغها بحسب السياقات التاريخية والاجتماعية. ومن بين أبرز هذه الأنماط يبرز التعليم العتيق والتعليم الأصيل، اللذان شكّلا معًا قاعدة راسخة في تكوين العلماء وحفظ العلوم الشرعية واللغوية.

ويهدف هذا البحث إلى بيان الفروق الدقيقة والعلاقات التكاملية بين هذين المفهومين، بعيدًا عن الخلط الاصطلاحي، مع إبراز أدوارهما المعرفية والحضارية.

أولًا: الإطار المفاهيمي والاصطلاحي

1. مفهوم التعليم العتيق

التعليم العتيق هو نمط تعليمي تقليدي نشأ في أحضان المساجد والزوايا والكتاتيب، ويُعنى أساسًا بتدريس العلوم الشرعية والعربية وفق مناهج كلاسيكية متوارثة.

خصائصه الأساسية:

الاعتماد على المتون والشروح والحواشي

نظام الحلقات العلمية

علاقة الشيخ بالمريد أو الطالب

التركيز على الحفظ والتلقي المباشر

التدرج العلمي غير المرتبط بزمن محدد

دليل تاريخي:

عرف التعليم العتيق ازدهارًا في القرويين والزيتونة والأزهر، وكان الأساس في تخريج العلماء والقضاة والفقهاء عبر القرون.

2. مفهوم التعليم الأصيل

التعليم الأصيل هو مفهوم قيمي ومنهجي أكثر منه مؤسساتي، ويُقصد به التعليم الذي يحافظ على أصالة المرجعية الإسلامية في المعرفة، مع قابلية الانفتاح على الاجتهاد والتجديد.

خصائصه:

التمسك بالقرآن والسنة وفهم السلف

الجمع بين الأصالة والمعاصرة

التركيز على المقاصد الشرعية

قابلية التطوير المنهجي

الانفتاح على العلوم الإنسانية والكونية بضوابط

دليل فكري:

برز مفهوم التعليم الأصيل في كتابات رواد الإصلاح مثل محمد عبده، وعلال الفاسي، ومالك بن نبي، حيث ارتبط بمفهوم النهضة لا الجمود.

ثانيًا: الفروق المنهجية بين التعليم العتيق والتعليم الأصيل

مجال المقارنة

التعليم العتيق

التعليم الأصيل

الطبيعة

مؤسساتي تقليدي

منهجي قيمي

المرجعية

المتون الفقهية

القرآن والسنة والمقاصد

أسلوب التعليم

التلقين والحفظ

الفهم، التحليل، الاجتهاد

البنية

مساجد وزوايا

مؤسسات أو مشاريع تربوية

العلاقة بالواقع

محدودة

تفاعلية إصلاحية

استدلال علمي:

يرى علماء التربية الإسلامية أن العتيق يركّز على نقل المعرفة، بينما الأصيل يركّز على بناء الوعي.

ثالثًا: العلاقة بين التعليم العتيق والتعليم الأصيل

1. علاقة تكامل لا تضاد

ليس التعليم الأصيل نقيضًا للتعليم العتيق، بل هو امتداد واعٍ له، يستثمر رصيده العلمي ويعيد توظيفه في سياق معاصر.

فالتعليم العتيق يحفظ المتن،

والتعليم الأصيل يُفعّل المعنى.

2. التعليم العتيق كحاضنة للأصالة

لا يمكن الحديث عن تعليم أصيل دون:

ضبط لغوي

تأصيل فقهي

رسوخ في علوم الآلة

وهي عناصر وفّرها التعليم العتيق تاريخيًا.

3. التعليم الأصيل كأفق تطويري للعتيق

يساعد التعليم الأصيل على:

تجاوز الجمود المنهجي

ربط المعرفة بالواقع الاجتماعي

إدماج البعد المقاصدي والتربوي

رابعًا: الأبعاد الحضارية والاجتماعية

1. دور التعليم العتيق

حفظ الهوية الدينية

مقاومة الاستعمار الثقافي

تخريج العلماء والدعاة

2. دور التعليم الأصيل

إصلاح الفكر الديني

مواجهة التطرف والانغلاق

بناء إنسان متوازن معرفيًا وقيميًا

دليل اجتماعي:

تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن المجتمعات التي حافظت على تعليم أصيل متجدد استطاعت التوفيق بين الثبات والحداثة.

خامسًا: إشكالات معاصرة ورهانات مستقبلية

1. إشكالات

الخلط بين الأصالة والجمود

ضعف التحديث البيداغوجي

الانفصال عن قضايا العصر

2. رهانات

تحديث التعليم العتيق دون تفريغه من روحه

تأطير التعليم الأصيل مؤسساتيًا

تكوين أطر تجمع بين التراث والكفاءة المعاصرة

خاتمة

يتبين من خلال هذه الدراسة أن التعليم العتيق والتعليم الأصيل ليس مسارين متعارضين، بل يشكّلان وحدة معرفية متكاملة:

فالعتيق هو الجذور، والأصيل هو الامتداد الواعي.

وأي مشروع نهضوي حقيقي للأمة لا يمكن أن ينجح إلا بإعادة بناء العلاقة بينهما على أساس التكامل، لا الإقصاء، والتجديد، لا القطيعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق