بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة
يُعدّ التمييز بين مفهومي الذُّكورة والرُّجولة من القضايا المفاهيمية المهمة في الفكر الإسلامي والأخلاقي، لما يترتب عليه من آثار عقدية وتربوية واجتماعية. فقد شاع في الخطاب المعاصر الخلط بين المفهومين، حتى أُفرغت الرجولة من بعدها القيمي، وحُصرت في المظاهر الجسدية أو السلطوية. ويهدف هذا البحث إلى بيان الفرق الجوهري بين الذكورة بوصفها معطًى فطريًا بيولوجيًا، والرجولة بوصفها قيمة أخلاقية وسلوكية مكتسبة، وذلك في ضوء النصوص الشرعية وأقوال العلماء.
المبحث الأول: الذُّكورة من المنظور العقدي والفطري
أولًا: تعريف الذكورة
الذُّكورة في الاصطلاح:
صفة فطرية بيولوجية خَلقية، تميّز الذكر عن الأنثى من حيث التكوين الجسدي والوظيفة التناسلية.
وهي ثابتة بالخلق، لا كسب للإنسان فيها، ولا فضل ذاتي فيها من حيث القيم.
ثانيًا: الذكورة في القرآن الكريم
جاء ذكر الذكورة باعتبارها وصفًا خلقيًا لا معيار تفاضل:
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾
(النجم: 45)
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾
(الحجرات: 13)
فالذكورة هنا حقيقة تكوينية، لا تدل بذاتها على كمال أو فضل.
ثالثًا: الذكورة ليست معيار كرامة
الكرامة الإنسانية في الإسلام ليست بالذكورة ولا بالأنوثة:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13)
المبحث الثاني: الرجولة مفهومًا أخلاقيًا عقديًا
أولًا: تعريف الرجولة
الرجولة في المنظور الإسلامي:
منظومة من القيم الأخلاقية والسلوكية، تقوم على الإيمان، وتحمل المسؤولية، والعدل، والصدق، والشجاعة، وضبط النفس.
فالرجولة مقام أخلاقي لا يتحقق إلا بالعمل والتزكية.
ثانيًا: الرجولة في القرآن الكريم
لم يربط القرآن الرجولة بالجنس فقط، بل بالثبات والصدق والإيمان:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
(الأحزاب: 23)
قال ابن كثير:
"المراد بالرجال هنا: أهل الصدق والثبات، لا مجرد الذكورة".
وقال تعالى:
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾
(النور: 37)
فالرجولة اقترنت بالالتزام، لا بالقوة الجسدية.
ثالثًا: الرجولة في السنة النبوية
قال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
(صحيح البخاري ومسلم)
وهذا نصٌّ صريح في إعادة تعريف الرجولة بوصفها ضبطًا للنفس لا غلبةً للآخرين.
وقال ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله»
(رواه الترمذي)
فالرجولة تتجلى في الرحمة وحسن المعاشرة.
المبحث الثالث: الفرق الجوهري بين الذكورة والرجولة
الذكورة : نظرية بيولوجية ؛ تولد مع الانسان ؛ وصف خلقي ؛ لا تفاضل بها ؛ ثابثة.
الرجولة : أخلاقية مكتسبة ؛ تبنى بالتربية والعمل ؛ مقام قيمي ومعيار كمال ؛ قد تتحقق او تفقد .
كل رجلٍ ذكر، وليس كل ذكرٍ رجلًا.
المبحث الرابع: آثار الخلط بين الذكورة والرجولة
تبرير العنف والتسلط باسم الرجولة
إفراغ الأخلاق من مضمونها
تشويه صورة الرجل في الأسرة والمجتمع
إنتاج نماذج ذكورية بلا مسؤولية
وقد حذّر العلماء من هذا الخلط، لأنه يؤدي إلى انحراف قيمي وسلوكي.
المبحث الخامس: النموذج النبوي للرجولة
جسّد النبي ﷺ الرجولة الكاملة في:
التواضع
العدل
الرحمة
الوفاء
الشجاعة الأخلاقية
قال أنس رضي الله عنه:
"كان رسول الله ﷺ في خدمة أهله"
(رواه البخاري)
وهو أرقى تجلٍّ للرجولة الحقة.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذا البحث أن الذكورة والرجولة مفهومان متمايزان:
فالذكورة معطى خلقي، أما الرجولة فهي بناء عقدي وأخلاقي. وقد قرر الإسلام أن معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا الجنس ولا المظهر. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم الرجولة القيمية ضرورة تربوية وفكرية لحماية الفرد والمجتمع.
المراجع
القرآن الكريم
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم
الطبري، جامع البيان
صحيح البخاري
صحيح مسلم
الغزالي، إحياء علوم الدين
ابن القيم، مدارج السالكين
محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير






