الثلاثاء، 24 فبراير 2026

الشيخ المكي الناصري عالم مصلح ورائد من رواد الحركة الوطنية المغربية



بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية .

 الشيخ المكي الناصري عالمٌ مصلح ورجل دولة في سياق الحركة الوطنية المغربية

مقدمة

يُعدّ الشيخ المكي الناصري (24 شوال 1324هـ / 11 دجنبر 1906 – 29 ذو القعدة 1414هـ / 10 ماي 1994) من أبرز رموز الإصلاح الديني والحركة الوطنية المغربية في القرن العشرين. جمع بين التكوين الشرعي العميق، والانفتاح على الفكر العربي الحديث، والتفاعل مع الثقافة الغربية، فشكّل نموذجاً للمثقف العضوي الذي أسهم في معركة التحرر الوطني وبناء الدولة المغربية الحديثة. وتتنوع إسهاماته بين الدعوة السلفية الإصلاحية، والعمل السياسي الوطني، والتأليف، والعمل الحكومي والدبلوماسي.

أولاً: السياق التاريخي والفكري

عاش الشيخ في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، تميزت بفرض نظام الحماية الفرنسية سنة 1912، وما رافقه من تحولات سياسية وثقافية عميقة. وقد برزت في تلك المرحلة حركة إصلاحية متأثرة بمدرسة السلفية الإصلاحية في المشرق، خاصة بأفكار:

محمد عبده

رشيد رضا

وقد كان للمغرب رواده الإصلاحيون الذين سعوا إلى مقاومة الاستعمار ثقافياً ودينياً، عبر إصلاح التعليم ومحاربة البدع والخرافات، وربط النهضة الدينية بالتحرر السياسي.

ثانياً: النشأة والتكوين العلمي

وُلد الشيخ بالرباط في بيت علم ودين، ونشأ في بيئة محافظة مشبعة بروح الوطنية. تلقى تعليمه الأولي على أيدي علماء المغرب، ومن أبرز شيوخه:

الحافظ أبو شعيب الدكالي

محمد المدني بن الحسني

الحاج محمد الناصري

محمد بن عبد السلام السائح

كما انفتح على الفكر العربي الحديث، فتتلمذ على علماء من المشرق العربي مثل:

مصطفى عبد الرازق

عبد الوهاب عزام

يوسف كرم

ولم يقتصر تكوينه على الدائرة الإسلامية، بل احتك بعدد من المستشرقين والفلاسفة الغربيين، منهم:

كارلو ألفونسو نللينو

إغناسيو جويدي

أندريه لالاند

وهذا التكوين المتنوع منح الشيخ قدرة على الحوار الحضاري، وجعله يتبنى خطاباً إصلاحياً عقلانياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ثالثاً: النشاط الإصلاحي والفكري

بدأ نشاطه الفكري مبكراً، فألّف سنة 1922 كتابه الأول «إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة»، الذي دعا فيه إلى تنقية العقيدة من الخرافات والبدع، في إطار توجه سلفي إصلاحي معتدل.

وكان من مؤسسي:

«الرابطة المغربية» (1920) – كأول تنظيم سري لمقاومة الاحتلال

«جمعية أنصار الحقيقة» (1925)

مثّلت هذه المبادرات انتقالاً من الإصلاح الديني البحت إلى الإصلاح الوطني السياسي، حيث رأى أن تحرير الإنسان فكرياً شرط لتحرير الوطن سياسياً.

رابعاً: دوره في الحركة الوطنية

يُعد الشيخ من رجالات الحركة الوطنية الأوائل، وقد ساهم في بلورة الوعي السياسي الوطني. ومن أبرز محطاته:

الدفاع عن استقلال المغرب في المحافل الدولية.

الترافع عن القضية المغربية في أوروبا.

المشاركة في تقديم شكاية المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 1952 ضد سلطات الحماية.

وقد ترتب عن نشاطه نفيه ومنعه من دخول المناطق المغربية، وظل في المنفى أكثر من أربع سنوات إلى حين عودة السلطان الشرعي:

محمد الخامس

وتُظهر هذه المرحلة تلازم الدعوة والإصلاح مع النضال السياسي في مشروعه الفكري.

خامساً: العمل الحكومي والدبلوماسي

بعد الاستقلال، أسندت إليه مناصب سامية، منها:

سفير المغرب بليبيا

وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

وزير الثقافة

رئيس المجلس العلمي بولاية الرباط وسلا

وقد أسهم في تنظيم الحقل الديني، وتأطير المؤسسات العلمية، وتعزيز حضور الثقافة الإسلامية في السياسات العمومية.

سادساً: منهجه في التفسير والدعوة

كان الشيخ مفسراً للقرآن الكريم، واعتمد في منهجه على:

الجمع بين التفسير بالمأثور والنظر العقلي.

ربط النص القرآني بقضايا المجتمع المعاصر.

إبراز القيم الإصلاحية والاجتماعية في القرآن.

وقد كان خطابه يتسم بالاعتدال، بعيداً عن الغلو، مع التركيز على التربية والإصلاح المجتمعي.

سابعاً: تقييم أكاديمي لشخصيته وإرثه

يمكن تحليل شخصية الشيخ المكي الناصري من خلال ثلاث دوائر متكاملة:

1. دائرة الإصلاح الديني

امتداد لمدرسة السلفية الوطنية المغربية التي جمعت بين العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وروح التجديد.

2. دائرة النضال الوطني

نموذج للمثقف المناضل الذي لم يفصل بين الدين والوطن.

3. دائرة بناء الدولة

مساهم في هندسة السياسة الدينية والثقافية للدولة المغربية بعد الاستقلال.

خاتمة

إن الشيخ المكي الناصري يمثل نموذجاً فريداً للعالم المصلح الذي عاش همّ الأمة ديناً ووطنًا. جمع بين العلم والعمل، والدعوة والنضال، والفكر والسياسة. وقد ترك أثراً عميقاً في مسار الحركة الوطنية المغربية، وفي بناء المرجعية الدينية الرسمية للمغرب المعاصر.

رحم الله الشيخ المكي الناصري، وجزاه عن وطنه ودينه خير الجزاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق