الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

النقد البناء : كأداة للتطوير والنقد الهدام : كأداة للإحباط

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ النقد من أهم الوسائل الفكرية والاجتماعية التي تسهم في تقويم السلوك الإنساني وتطوير الأداء الفردي والمؤسسي. غير أن النقد ليس نمطًا واحدًا؛ إذ ينقسم إلى نوعين رئيسيين هما النقد البنّاء والنقد الهدّام. ويكمن الفرق الجوهري بينهما في الهدف والأسلوب والأثر. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح مفهوم كل نوع، وبيان خصائصه، وآثاره، والفروق بينهما، مع تقديم ضوابط علمية وأخلاقية للنقد الإيجابي.

أولًا: مفهوم النقد

لغويًا، يُقصد بالنقد التمييز بين الجيد والرديء.

أما اصطلاحًا، فهو: تحليل الأفكار أو السلوكيات أو الأعمال بهدف تقييمها، إما للتقويم والتطوير أو للإضعاف والتشويه.

ثانيًا: النقد البنّاء

1. تعريف النقد البنّاء

النقد البنّاء هو أسلوب موضوعي يهدف إلى تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء، من خلال عرض الملاحظات بطريقة محترمة ومدعومة بالأدلة، مع اقتراح حلول عملية.

2. خصائص النقد البنّاء

الموضوعية والحياد

التركيز على الفعل لا على الشخص

الاستناد إلى أدلة ومنطق

استخدام لغة محترمة

تقديم بدائل وحلول

مراعاة التوقيت والحال النفسية للمنقود

3. أهداف النقد البنّاء

تطوير الفرد والمؤسسة

تحسين جودة العمل

تعزيز ثقافة الحوار

تصحيح الأخطاء دون إيذاء

دعم الثقة المتبادلة

4. آثار النقد البنّاء

رفع مستوى الأداء والكفاءة

زيادة الوعي الذاتي

تعزيز الدافعية

تقوية العلاقات الاجتماعية

نشر ثقافة الإصلاح

ثالثًا: النقد الهدّام

1. تعريف النقد الهدّام

النقد الهدّام هو أسلوب سلبي يهدف إلى التقليل من شأن الآخر أو إحباطه، دون تقديم حلول، وغالبًا ما يكون مدفوعًا بالتحامل أو الغضب أو الرغبة في السيطرة.

2. خصائص النقد الهدّام

الشخصنة والتركيز على العيوب الشخصية

استخدام السخرية أو الإهانة

غياب الأدلة والحجج

التعميم المفرط

تجاهل الجوانب الإيجابية

عدم تقديم حلول

3. دوافع النقد الهدّام

الحسد أو الغيرة

ضعف الثقة بالنفس

الرغبة في التقليل من الآخرين

الجهل بأساليب الحوار

الغضب والانفعال

4. آثار النقد الهدّام

الإحباط وفقدان الثقة

تراجع الأداء

خلق العداوة والتوتر

تعطيل الإبداع

تفكك العلاقات الاجتماعية

رابعًا: الفروق الجوهرية بين النقد البنّاء والنقد الهدّام

وجه المقارنة

النقد البنّاء

النقد الهدّام

الهدف

الإصلاح والتطوير

الإهانة أو الإحباط

الأسلوب

هادئ ومحترم

قاسٍ وساخر

التركيز

الفعل أو الفكرة

الشخص

النتائج

إيجابية وبنّاءة

سلبية ومحبطة

الحلول

موجودة وواضحة

غائبة

خامسًا: ضوابط النقد البنّاء (أكاديميًا وأخلاقيًا)

الإخلاص في النية

العلم بالموضوع المنقود

احترام الآخر

استخدام لغة علمية

تجنب التعميم

التوازن بين الإيجابيات والسلبيات

اختيار الوقت والمكان المناسبين

سادسًا: النقد في المنظور الإسلامي

حثّ الإسلام على النصح البناء، قال النبي ﷺ:

"الدين النصيحة"

كما نهى عن السخرية والتجريح، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11]

مما يدل على أن النقد المشروع هو ما كان إصلاحًا ورحمة لا إيذاءً وفضيحة.

خاتمة

يتضح أن النقد سلاح ذو حدّين؛ فإن أُحسن استخدامه كان وسيلة فعالة للإصلاح والتطوير، وإن أسيء استخدامه تحوّل إلى أداة للهدم والإحباط. وعليه، فإن تبنّي النقد البنّاء يمثل ضرورة أخلاقية وعلمية لبناء أفراد واعين ومجتمعات متقدمة.

علم المقاصد في حماية حقوق الفرد والمجتمع

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

يمثل علم المقاصد أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الفقه الإسلامي المعاصر، إذ يقدّم إطاراً منهجياً لفهم الغاية من التشريعات وتوجيهها نحو تحقيق مصالح الفرد والمجتمع. ومع تنامي الاهتمام بالحقوق الإنسانية، أصبح علم المقاصد مرجعاً أساسياً في تفسير النصوص وتوجيه الاجتهاد بما يضمن حماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية في ضوء الشريعة.

أولاً: مفهوم علم المقاصد ومنهج الاشتغال به

علم المقاصد هو العلم الذي يدرس الغايات الكبرى والأهداف العليا التي قصدها الشارع الحكيم من تشريع الأحكام. وهو يقوم على مبدأ أن كل حكم شرعي إنما وضع لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.

وقد تطور هذا العلم ليصبح أساساً لفهم التشريع بصورة تتجاوز ظاهر النص إلى معناه وروحه، مما يعزز حماية الحقوق ويجعل الشريعة قادرة على مواكبة التطورات.

ثانياً: المقاصد الشرعية العليا وحقوق الإنسان

أجمع العلماء على أن الشريعة جاءت لحفظ خمسة حقوق كبرى تُعد أساس كل الحقوق المعاصرة:

1. حفظ الدين

ضمان حرية الاعتقاد في إطار عدم الاعتداء.

حماية الفرد من الإكراه الديني.

تعزيز قيم التسامح بين أفراد المجتمع.

2. حفظ النفس : 

تجريم الاعتداء على حق الحياة.

توفير الأمن الجسدي والصحي.

تشريع القصاص والديات لردع الاعتداء.

3. حفظ العقل

تحريم كل ما يؤثر على سلامة التفكير مثل المخدرات والخمر.

تشجيع التعليم والمعرفة والبحث العلمي.

صيانة حرية الفكر ضمن الضوابط الأخلاقية.

4. حفظ النسل والأسرة

حماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع.

تنظيم العلاقات الزوجية والحقوق المتبادلة.

حماية الأطفال وضمان حقوقهم.

5. حفظ المال

حماية الملكية الفردية.

محاربة السرقة والغش والاحتيال والربا.

تنظيم المعاملات الاقتصادية بما يضمن العدل والاستقرار.

هذه المقاصد ليست منفصلة، بل تكوّن شبكة حقوقية متكاملة تصون الفرد والمجتمع.

ثالثاً: علم المقاصد ودوره في حماية حقوق الفرد

1. صيانة كرامة الإنسان

الشريعة تؤكد أن الإنسان مكرم، وعلم المقاصد يجعل الكرامة محوراً لكل التشريعات.

ومن أمثلة ذلك:

منع التعذيب والإيذاء.

حماية خصوصية الفرد.

تحريم الاستهزاء والغيبة والقذف.

2. ضمان العدالة الفردية

علم المقاصد يجعل العدل قيمة مركزية:

> "لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"

ويتجلى ذلك في:

استقلالية القضاء.

ضمان حق الدفاع.

عدم العقاب بدون بيّنة.

3. الحرية المسؤولة

يوازن علم المقاصد بين حرية الفرد والمصلحة العامة، فيضمن:

حرية التعبير المنضبطة.

حرية التملك والعمل.

حرية التفكير دون اعتداء أو فوضى.

رابعاً: حماية حقوق المجتمع في إطار المقاصد .

1. حفظ النظام العام

تجريم الإفساد في الأرض.

تنظيم العلاقات العامة.

منع نشر الفوضى أو التحريض أو العنف.

2. حماية الهوية الجماعية

المقاصد تحمي القيم الأخلاقية والروحية التي تشكل انسجام المجتمع، مثل:

حفظ الأخلاق العامة.

تعزيز التضامن الاجتماعي.

حماية الروابط الأسرية.

3. تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات

علم المقاصد يرى أن المجتمع المتوازن يقوم على:

حماية الحقوق (ما للفرد).

تكريس الواجبات (ما على الفرد).

فلا حقوق بلا مسؤولية.

خامساً: التطبيقات المعاصرة لعلم المقاصد في حماية الحقوق

1. في التشريع الحديث

أصبح علم المقاصد أساساً للعديد من القوانين المعاصرة المتعلقة بـ:

مكافحة العنف ضد النساء.

حماية الطفولة.

محاربة الفساد المالي.

ضمان الحق في التعليم والصحة.


2. في الفتاوى والقضايا المستجدة

مثل:

حكم التعامل الإلكتروني.

حماية البيانات الشخصية.

حقوق المرضى.

قضايا البيئة والطاقة.

3. في المجال الاجتماعي

يُستخدم علم المقاصد لدعم:

مبادئ التضامن الأسري.

العدالة الاجتماعية.

احترام الخصوصيات الثقافية والروحية.

سادساً: التحديات التي تواجه توظيف المقاصد في حماية الحقوق

1. سوء الفهم الذي يؤدي إلى استعمال المقاصد لتجاوز النصوص.

2. الخلط بين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتوهمة.

3. الحاجة إلى مجتهدين مؤهلين يجمعون بين الفقه والواقع.

4. الصراع بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة في بعض القضايا.

خاتمة :  

يمثّل علم المقاصد إطاراً حضارياً يعزز حماية حقوق الفرد والمجتمع في الشريعة الإسلامية. فهو يربط بين نصوص الوحي ومتطلبات العصر، ويؤكد أن الإسلام جاء ليحقق العدل والرحمة والحرية المسؤولة وصيانة الكرامة الإنسانية. ومع التحديات المتسارعة، يظل هذا العلم ضرورة أساسية لضبط الاجتهاد وبناء مجتمع متوازن يحترم الإنسان ويصون مصالح الأمة.

السبت، 27 ديسمبر 2025

الصوفية في المذهب المالكي: الأبعاد الروحية وضوابطه الالتزام الشرعي ﴿2)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

تُعدّ الصوفية أحد الأبعاد الروحية في الفكر الإسلامي، وقد ارتبطت تاريخيًا بالمذاهب الفقهية السنية، ومن بينها المذهب المالكي. ولم تكن الصوفية في السياق المالكي مذهبًا فقهيًا مستقلًا، بل كانت منهجًا تربويًا وسلوكيًا يهدف إلى تزكية النفس وتحقيق الإحسان، في إطار الالتزام بالكتاب والسنة وقواعد الفقه المالكي.

أولًا: مفهوم الصوفية في التصور المالكي

في المذهب المالكي، تُفهم الصوفية على أنها:

علم السلوك والإحسان، أي مراقبة الله تعالى في الظاهر والباطن.

ممارسة عملية لقوله ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه».

التزام شرعي يُبنى على الفقه الصحيح والعقيدة السنية.

وقد عبّر علماء المالكية عن هذا التوازن بقولهم:

من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق.

ثانيًا: العلاقة بين الصوفية والفقه المالكي

لم ينشأ تعارض بين الصوفية والمذهب المالكي، بل كانت العلاقة تكاملية:

الفقه المالكي ينظم ظاهر السلوك (العبادات والمعاملات).

التصوف يزكّي باطن السلوك (النية، الإخلاص، الأخلاق).

ولهذا كان كبار علماء المالكية يجمعون بين الفقه والتصوف، ويرفضون أي ممارسة صوفية تخالف الشريعة.

ثالثًا: أعلام الصوفية في المذهب المالكي

برز في التاريخ الإسلامي عدد من العلماء الذين جمعوا بين المالكية والتصوف، من أبرزهم:

الإمام مالك بن أنس: نُقلت عنه أقوال تؤكد أهمية العمل بالعلم والأدب مع الله.

أبو الحسن الشاذلي (مالكي المذهب): مؤسس الطريقة الشاذلية القائمة على الذكر المشروع والعمل.

الإمام القرافي: أكّد على ضبط الأحوال والمقامات بالشرع.

أبو عبد الله محمد بن الحاج: انتقد البدع الصوفية المخالفة للسنة.

رابعًا: خصائص الصوفية المالكية

تتميز الصوفية في المذهب المالكي بـ:

الالتزام الصارم بالشريعة.

رفض الخوارق والدعاوى الباطنية غير المنضبطة.

التركيز على الأخلاق (الصدق، التواضع، الصبر).

الجمع بين العبادة والعمل والإصلاح الاجتماعي.

اعتماد الذكر المشروع دون أعداد مخترعة أو طقوس غامضة.

خامسًا: موقف المالكية من الانحرافات الصوفية

فرّق علماء المالكية بين:

التصوف السني: القائم على الكتاب والسنة.

التصوف المنحرف: الذي يقوم على الحلول، أو وحدة الوجود، أو إسقاط التكاليف.

وقد حذّروا من:

الغلو في المشايخ.

ادعاء الكشف المطلق.

الذكر غير المشروع والأعداد غير الثابتة.

خاتمة

الصوفية في المذهب المالكي ليست مذهبًا فقهيًا مستقلًا، بل هي بعدٌ روحيٌ أخلاقي يُكمّل الفقه، ويهدف إلى تحقيق مقام الإحسان دون الخروج عن الشريعة. وقد شكّل هذا التوازن أحد أسباب انتشار التصوف المالكي في بلاد المغرب والأندلس، حيث اقترن بالعلم والعمل والإصلاح.

سوسيولوجيا الفضاء الرقمي : كيف تولد وتنتشر الأنماط السلوكية الحديثة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

يعتبر الفضاء الرقمي (Digital Space) اليوم المحرك الأساسي للتحولات السوسيولوجية والثقافية المعاصرة. فلم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أضحى "مختبراً" تظهر فيه الظواهر وتنتقل عبره لتُعيد تشكيل بنية المجتمعات الواقعية.

فيما يلي ورقة أكاديمية تستعرض كيف يحدد الفضاء الرقمي ظهور ونقل الظواهر الجديدة:

1. الفضاء الرقمي كبيئة حاضنة (Incubator) للظواهر

تتميز البيئة الرقمية بخصائص تقنية ونفسية تسمح ببروز سلوكيات لم تكن لتجد مكاناً في الفضاء المادي التقليدي:

تجاوز الرقابة الاجتماعية: يوفر الفضاء الرقمي نوعاً من "المجهولية" أو التخفي، مما يشجع الأفراد على تبني أنماط تفكير أو سلوكيات (مثل حركات التحرر الفكري أو التعبيرات الفنية الجريئة) التي قد تُجابه بالرفض في المجتمع التقليدي.

تشكل "المجتمعات الشبكية": وفقاً لمفهوم مانويل كاستلز، لم يعد المكان الجغرافي هو المحدد للظاهرة، بل "تدفق" المعلومات. هذا يسمح لظواهر مثل "العمل عن بُعد" أو "العملات الرقمية" بالظهور كواقع ملموس نتيجة تكتل المصالح الرقمية.

2. آليات نقل الظواهر: من الرقمي إلى الواقعي

لا تكتفي الظواهر بالبقاء حبيسة الشاشات، بل تنتقل إلى المجتمعات عبر آليات محددة:

العدوى الاجتماعية الرقمية (Digital Social Contagion): بفضل الخوارزميات، تنتشر الأنماط السلوكية (مثل صيحات الموضة، التحديات، أو المصطلحات اللغوية الجديدة) بسرعة فائقة تتجاوز الحدود القومية.

تغيير المعايير القيمية: انتقال الظاهرة من "الافتراضي" إلى "المعتاد" يحدث عبر التكرار الكثيف. على سبيل المثال، ظاهرة "التصوير الذاتي المستمر" (Selfie Culture) بدأت كفعل رقمي وتحولت إلى معيار اجتماعي يحدد مفهوم الهوية والجمال في الواقع.

3. الفضاء الرقمي كإطار مرجعي جديد

أصبح الفضاء الرقمي هو "المحدد" للشرعية الاجتماعية، ويمكن ملاحظة ذلك في:

إعادة تعريف السلطة والنفوذ: ظهور "المؤثرين" كبدائل للنخب التقليدية (المثقف، الأكاديمي، السياسي). هؤلاء المؤثرون هم القنوات التي تمر عبرها الظواهر الجديدة (مثل أنماط الاستهلاك المستدام أو أنظمة التغذية الجديدة).

تسريع الزمن الاجتماعي: الظاهرة التي كانت تحتاج لسنوات لتنتقل بين القارات، أصبحت تنتقل في ثوانٍ. هذا التسارع يخلق "مجتمعات متزامنة" تشترك في نفس الظواهر في آن واحد.

4. التحديات والآثار الجانبية

رغم الدور الإيجابي في الابتكار، إلا أن هذا التحديد الرقمي للظواهر يطرح إشكالات:

الاغتراب الثقافي: استيراد ظواهر لا تتوافق مع الخصوصيات المحلية.

الفجوة الجيلية: ظهور فجوة عميقة بين "المواطنين الرقميين" الذين يتبنون الظواهر الجديدة، و"المهاجرين الرقميين" الذين يتمسكون بالقديم.

الخلاصة

إن الفضاء الرقمي ليس مجرد مرآة تعكس ما يحدث في المجتمع، بل هو عامل مستقل يحدد ماهية الظواهر الجديدة، وكيفية توزيعها، ومدى استمراريتها. لقد تحول من أداة لنقل المعلومة إلى مهندس للبناء الاجتماعي المعاصر.

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

ظاهرة العنف الإليكتروني: دراسة أكاديمية شاملة


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدمة

أدى التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصال إلى تحولات عميقة في أنماط التفاعل الإنساني، حيث أصبح الفضاء الرقمي امتدادًا للحياة الاجتماعية. غير أن هذا التطور صاحبه بروز ظواهر سلبية جديدة، من أبرزها العنف الإلكتروني، الذي بات يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن النفسي والاجتماعي للأفراد، خاصة الأطفال والنساء والشباب. يهدف هذا البحث إلى دراسة مفهوم العنف الإلكتروني، أشكاله، أسبابه، آثاره، وسبل مكافحته من منظور أكاديمي.

أولًا: مفهوم العنف الإلكتروني

1. التعريف

العنف الإلكتروني (Cyber Violence) هو:

كل سلوك عدواني متعمد يُمارَس عبر الوسائط الرقمية، يهدف إلى إيذاء شخص أو مجموعة نفسيًا أو اجتماعيًا أو ماديًا، باستخدام الإنترنت أو وسائل الاتصال الحديثة.

ويُعرف أيضًا بأنه شكل من أشكال العنف غير المادي الذي يعتمد على الكلمة، الصورة، أو المعلومة بدل القوة الجسدية.

2. خصائص العنف الإلكتروني

يتم دون مواجهة مباشرة.

قابل للانتشار السريع.

يصعب محوه (الأثر الرقمي).

قد يمارسه أفراد مجهولون.

تأثيره النفسي قد يكون طويل الأمد.

ثانيًا: أشكال العنف الإلكتروني

التنمّر الإلكتروني

السخرية، السب، التهديد، الإقصاء الرقمي.

الابتزاز الإلكتروني

التهديد بنشر صور أو معلومات خاصة مقابل المال أو الاستغلال.

التشهير الرقمي

نشر أخبار أو صور كاذبة للإساءة إلى السمعة.

انتهاك الخصوصية

اختراق الحسابات أو تسريب البيانات.

خطاب الكراهية

التحريض على العنف أو التمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق.

التحرش الإلكتروني

رسائل أو صور ذات طابع جنسي غير مرغوب فيه.

ثالثًا: أسباب العنف الإلكتروني

1. أسباب نفسية

ضعف الوازع الأخلاقي.

الرغبة في السيطرة أو الانتقام.

الشعور بالقدرة بسبب التخفي الرقمي.

2. أسباب اجتماعية

التفكك الأسري.

ضعف الرقابة الأسرية.

انتشار ثقافة العنف.

3. أسباب تقنية

سهولة الاستخدام.

غياب الضبط القانوني الفوري.

الانتشار الواسع لوسائل التواصل.

رابعًا: الفئات الأكثر عرضة للعنف الإلكتروني

الأطفال والمراهقون.

النساء.

الأشخاص ذوو الإعاقة.

الشخصيات العامة.

الطلبة.

خامسًا: الآثار المترتبة عن العنف الإلكتروني

1. الآثار النفسية

القلق والاكتئاب.

فقدان الثقة بالنفس.

اضطرابات النوم.

التفكير في الانتحار (في الحالات القصوى).

2. الآثار الاجتماعية

العزلة والانطواء.

ضعف العلاقات الاجتماعية.

فقدان السمعة.

3. الآثار التعليمية والمهنية

تراجع التحصيل الدراسي.

ضعف الأداء الوظيفي.

سادسًا: العنف الإلكتروني في ضوء القوانين

تعترف التشريعات الحديثة بخطورة العنف الإلكتروني، حيث تجرّم:

الابتزاز الرقمي.

السب والقذف الإلكتروني.

التشهير.

اختراق الأنظمة المعلوماتية.

في المغرب

ينظم القانون المغربي هذه الجرائم ضمن:

القانون الجنائي

قانون محاربة الجرائم المعلوماتية مع عقوبات تشمل الغرامة والحبس حسب خطورة الفعل.

سابعًا: سبل الوقاية من العنف الإلكتروني

1. على المستوى الفردي

حماية البيانات الشخصية.

عدم مشاركة المحتوى الحساس.

الإبلاغ عن الإساءة.

2. على المستوى الأسري

التوجيه الرقمي للأبناء.

المراقبة الإيجابية.

الحوار المستمر.

3. على المستوى المجتمعي

نشر الثقافة الرقمية.

إدماج التربية الرقمية في التعليم.

تعزيز القوانين الرادعة.

خاتمة

يُعد العنف الإلكتروني من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، نظرًا لتأثيره العميق والخفي. وتؤكد هذه الدراسة أن مواجهته تتطلب تضافر الجهود التربوية، القانونية، والتقنية، مع تعزيز الوعي الأخلاقي الرقمي لدى الأفراد.

المراجع :

منظمة اليونسكو: التقارير حول التنمر الإلكتروني

القوانين الجنائية المغربية

دراسات علم الاجتماع الرقمي

تقارير منظمة UNICEF حول حماية الأطفال على الإنترنت

ظاهرة التراندات السريعة في العصر الرقمي: دراسة تحليلية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

تشهد المجتمعات المعاصرة تحولاً جذرياً في أنماط التواصل والاستهلاك الإعلامي، نتيجة التطور المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي وانتشار الهواتف الذكية. ومن بين أبرز مظاهر هذا التحول بروز ظاهرة التراندات السريعة، وهي تلك المواضيع أو الأحداث التي تكتسب انتشاراً واسعاً وشعبية كبيرة في فترة زمنية قصيرة، ثم تختفي بسرعة لتحلّ محلها تراندات جديدة.

تثير هذه الظاهرة اهتمام الباحثين لما لها من تأثيرات ثقافية، اجتماعية، واقتصادية، ولارتباطها المباشر بالتحولات الذهنية والسلوكية للمستخدمين.

أولاً: مفهوم التراندات السريعة

يُقصد بالتراندات السريعة مجموعة المواضيع أو الأحداث الرقمية التي تنتشر بشكل فيروسي (Viral)، نتيجة تفاعل المستخدمين المكثف عبر منصات رقمية مثل تيك توك، إنستغرام، فيسبوك، ويوتيوب.

وتتميز هذه التراندات بـ:

1. الانتشار الآني: ظهور مفاجئ وتداول مكثف خلال ساعات.

2. العمر القصير: اختفاء سريع وعدم استمرار الاهتمام.

3. التكاثر والإعادة: قيام آلاف المستخدمين بتكرار المحتوى نفسه.

ثانياً: أسباب انتشار ظاهرة التراندات السريعة

1. التحولات التقنية والخوارزميات

تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تدفع بالمحتوى الأكثر تفاعلاً إلى الواجهة، ما يجعل أي فيديو أو فكرة قابلة للنمو السريع إذا حصل على دفعة أولية من الإعجابات والمشاركات.

2. سرعة استهلاك المحتوى

انتقل المستخدم من المحتوى الطويل (المقالات، الفيديوهات المطولة) إلى المحتوى القصير جداً، مما جعل دورة حياة المعلومات أسرع من أي وقت مضى.

3. التنافس بين صناع المحتوى

رغبة المؤثرين في تحقيق الربح والشهرة تدفعهم إلى استغلال أي تراند، فتنشأ موجة ضخمة من المحتوى المكرر الذي يضخم انتشار الظاهرة.

4. طبيعة الإنسان النفسية

يُقبل الناس على المحتوى الذي يثير المشاعر (الضحك، الصدمة، الغضب)، ما يرفع من إمكانية انتشار التراندات التي تعتمد على الطرافة أو المفاجأة.

5. عامل الملل الرقمي

كثرة المنصات وتشابه المحتوى يجعل المستخدم يبحث دائماً عن الجديد، وهذا يغذي دينامية التجديد السريع للتراندات.

ثالثاً: الآثار الاجتماعية والثقافية للتراندات السريعة

1. تراجع الاهتمام بالقضايا الجوهرية

تغطي التراندات على القضايا الحقيقية مثل الفقر، التعليم، الصحة، والاقتصاد، لأنها تخلق ضجيجاً إعلامياً يصرف الانتباه.

2. إنتاج الثقافة السطحية

المحتوى المتداول غالباً بسيط وسريع ولا يستدعي تفكيراً عميقاً، مما يساهم في تقوية ثقافة الاستهلاك الخفيف.

3. التأثير في الوعي الجماعي

تشكّل التراندات قناعات جماعية لحظية قد لا تكون مبنية على معرفة أو تحليل.

مثال: انتشار إشاعة أو موقف معين ثم تبين لاحقاً أنه غير صحيح.

4. تحولات في سلوك الشباب

يسعى الكثير من الشباب إلى تقليد التراندات، وقد ينخرطون في سلوكيات خطرة أو غير لائقة فقط لمتابعة الموضة الرقمية.

رابعاً: الآثار الاقتصادية والإعلامية

1. صناعة المحتوى كاقتصاد مستقل

أصبحت التراندات مصدر ربح للمؤثرين والشركات، مما دفع إلى تحويل الظاهرة إلى “سوق” قائم بذاته

2. تغيير قواعد الإعلام التقليدي

لم تعد المؤسسات الإعلامية قادرة على تجاهل مواضيع التراند، بل صارت هي الأخرى تسعى إلى ركوب الموجة لجذب الجمهور.

3. التأثير على التسويق والإعلانات

تستغل الشركات التراندات لتحقيق انتشار سريع لمنتجاتها، عبر الإعلانات الموجهة والمحتوى المموّل.

خامساً: الجوانب النفسية للتراندات

1. رغبة المستخدم في الانتماء

اشتراك الفرد في التراند يمنحه إحساساً بأنه جزء من الجماعة.

هذا الإحساس بالانتماء الرقمي من أقوى دوافع المشاركة.

2. FOMO: الخوف من تفويت الجديد

يشعر المستخدم بالخوف من تفويت التراند أو الظهور “خارج السياق”، فيندفع للمشاركة دون تفكير.

3. التحفيز الدوباميني

المحتوى السريع والمضحك يحفّز الدوبامين، ما يجعل المستخدم يبحث عن جرعة جديدة كل فترة قصيرة.

سادساً: مخاطر ظاهرة التراندات السريعة

1. نشر الإشاعات والمعلومات الخاطئة بسرعة كبيرة.

2. فقدان الخصوصية عبر تصوير لحظات خاصة ونشرها لركوب التراند.

3. تشجيع السلوكيات الخطيرة لدى المراهقين.

4. التلاعب بالعقول عبر تنظيم تراندات مُوجهة سياسياً أو اقتصادياً.

5. دعم الشهرة الفارغة التي لا تقوم على إنجازات حقيقية.

سابعاً: سبل الحد من الآثار السلبية


1. تعزيز التربية الإعلامية الرقمية في المدارس والجامعات.

2. تشجيع المحتوى الهادف الذي يدمج بين الترفيه والفائدة.

3. عنونة الأكاذيب والإشاعات عبر هيئات مختصة في التحقق من الأخبار (Fact-checking).

4. استخدام المنصات بشكل مسؤول وعدم مشاركة المحتوى قبل التحقق.


5. دعم الباحثين والمؤسسات التي تدرس أثر وسائل التواصل على المجتمع.

خاتمة : 

إن التراندات السريعة ليست مجرد ظاهرة ترفيهية، بل هي انعكاس للتحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم الرقمي. ورغم فوائدها في نشر المعلومات وتعزيز التفاعل، إلا أنها تحمل مخاطر كبيرة إذا لم تُواكب بوعي نقدي وبسياسات واضحة.

لذلك يُعدّ فهم هذه الظاهرة ضرورة ملحة لضمان استخدام صحي وفعّال لوسائل التواصل في بناء مجتمع واعٍ ومسؤول.


الخميس، 25 ديسمبر 2025

إشكالية التصوف في الفكر الإسلامي(1)


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ التصوف أحد التيارات الروحية والفكرية التي ظهرت في الحضارة الإسلامية، ويهدف أساسًا إلى تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتحقيق مقام الإحسان كما ورد في الحديث النبوي الشريف. وقد اختلفت المواقف العلمية تجاه التصوف بين مؤيدٍ يرى فيه بعدًا أخلاقيًا وروحيًا أصيلًا في الإسلام، وناقدٍ يرفض بعض ممارساته التي انحرفت عن أصول الشريعة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم معالجة أكاديمية متوازنة للتصوف من حيث نشأته، مفاهيمه، مدارسه، أعلامه، وأبرز الإشكالات المرتبطة به.

أولًا: مفهوم التصوف

1. التعريف اللغوي

اختلف العلماء في أصل كلمة «تصوف»، ومن أبرز الأقوال:

من الصوف: لِما اشتهر به الزهاد من لبس الصوف.

من الصفاء: إشارة إلى صفاء القلب.

من أهل الصُّفّة: وهم فقراء الصحابة في مسجد النبي ﷺ.

2. التعريف الاصطلاحي

التصوف هو:

«علم يُعنى بتزكية النفس، وتصفية القلب، والسير إلى الله تعالى وفق الكتاب والسنة، مع الالتزام بالأخلاق الإسلامية»

(الجنيد البغدادي).

ثانيًا: نشأة التصوف وتطوره التاريخي

1. المرحلة الأولى: الزهد (القرنان 1–2 هـ)

تميزت هذه المرحلة بالزهد في الدنيا والخوف من الآخرة، دون تنظيمٍ طرقي، ومن أعلامها:

الحسن البصري

إبراهيم بن أدهم

2. المرحلة الثانية: التأسيس العلمي (القرنان 3–4 هـ)

بدأ التصوف يتبلور كعلم له مصطلحاته، مع الالتزام الظاهري بالشريعة.

الجنيد البغدادي

السري السقطي

3. المرحلة الثالثة: الطرق الصوفية (من القرن 6 هـ)

ظهرت الطرق المنظمة مثل:

القادرية

الشاذلية

النقشبندية

التيجانية

ثالثًا: مصادر التصوف

القرآن الكريم: آيات التزكية والإحسان.

السنة النبوية: حديث الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه…».

آثار الصحابة والتابعين.

الاجتهادات الروحية (بشرط عدم مخالفة الشريعة).

رابعًا: المفاهيم الأساسية في التصوف

التزكية: تطهير النفس من الرذائل.

المقامات: مثل التوبة، الزهد، الصبر، التوكل.

الأحوال: كالخشوع، المحبة، الطمأنينة.

الذكر: فردي وجماعي (مع الخلاف الفقهي حول هيئاته).

الشيخ والمريد: علاقة تربوية مشروطة بالعلم والاستقامة.

خامسًا: أعلام التصوف

الجنيد البغدادي (تصوف سنّي منضبط)

أبو حامد الغزالي

عبد القادر الجيلاني

أحمد زروق

أبو الحسن الشاذلي

سادسًا: التصوف بين القبول والرفض

1. مواقف المؤيدين

يرى مؤيدو التصوف أنه:

يحقق مقام الإحسان

يوازن بين الظاهر والباطن

يسهم في تهذيب الأخلاق

2. مواقف المعارضين

ينتقد بعض العلماء:

الغلو في الأولياء

البدع في الأذكار

عقائد الحلول ووحدة الوجود

3. الموقف العلمي الوسطي

يرى جمهور المحققين أن:

«التصوف منه مشروع ومنه منحرف، ويُقبل ما وافق الكتاب والسنة، ويُرد ما خالفهما»

(ابن تيمية).

سابعًا: التصوف في العالم الإسلامي

المغرب: الزوايا الشاذلية، الدلائية، التيجانية.

المشرق: القادرية والنقشبندية.

إفريقيا وآسيا: دور دعوي واجتماعي بارز.

ثامنًا: الإشكالات المعاصرة للتصوف

العلاقة مع السلفية

توظيف التصوف سياسيًا

خلط التصوف بالروحانيات غير الإسلامية

غياب المنهج العلمي لدى بعض الطرق

خاتمة

يمثل التصوف جزءًا مهمًا من التراث الإسلامي، ولا يمكن الحكم عليه حكمًا واحدًا مطلقًا، بل يجب دراسته دراسة علمية نقدية تُفرّق بين التصوف السني القائم على الكتاب والسنة، وبين الممارسات الدخيلة التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة.

المراجع :

أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين

عبد الرحمن بدوي، التصوف الإسلامي

ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

أحمد زروق، قواعد التصوف

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

ظاهرة “السمير” أو الاحتكاك بالنساء في الأماكن المزدحمة (وتُعرف أيضاً بالتحرش بالملامسة)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

تُعد ظاهرة "السمير" أو التحرش بالاحتكاك (وتعرف علمياً بـ Frotteurism) من السلوكيات العدوانية والمرفوضة اجتماعياً وقانونياً، حيث يستغل الجاني فيها ازدحام الأماكن (مثل المواصلات العامة، الأسواق، أو الطوابير) ليقوم بملامسة أو الاحتكاك بجسد الضحية دون رضاها.

إليك نظرة شاملة على هذه الظاهرة من زوايا مختلفة:

1. التعريف والمنظور النفسي

في علم النفس، يُصنف هذا السلوك أحياناً كاضطراب "بارافيلي" (Paraphilic Disorder) يُعرف بـ التحرش بالملامسة، حيث يحصل الشخص على إثارة من خلال الاحتكاك بأشخاص غير راغبين.

 * الدوافع: قد تعود لأسباب نفسية مثل ضعف المهارات الاجتماعية، أو اضطرابات في التحكم في الدوافع، أو شعور الجاني بالأمان خلف ستار "الزحام" لصعوبة كشفه أو مواجهته.

 * التأثير على الضحية: يسبب هذا الفعل صدمة نفسية، شعوراً بانتهاك الخصوصية، الخوف من الأماكن المزدحمة، والقلق الدائم في الأماكن العامة.

2. التوصيف القانوني

قانونياً، لا يُصنف هذا الفعل كـ "مجرد سوء تفاهم ناتج عن الزحام"، بل هو جريمة تحرش جنسي كاملة الأركان.

 * في القوانين العربية: (مثل مصر، المغرب، والسعودية)، يتم تجريم "التعرض للغير في مكان عام بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية سواء بالقول أو بالفعل".

 * العقوبات: تتراوح العقوبات عادة بين الحبس (من 6 أشهر إلى عدة سنوات) والغرامات المالية الثقيلة، وتُغلظ العقوبة إذا تكرر الفعل أو تم في وسائل المواصلات.

3. كيفية التعامل مع هذه الظاهرة (للمجني عليهن)

إذا تعرضتِ لهذا الموقف، إليكِ خطوات عملية لردع المتحرش:

 * إظهار رد فعل حازم: التحرش بالاحتكاك يعتمد على "الصمت" والخجل. الالتفات فوراً والنظر في عين المتحرش بحدة أو توجيه تنبيه بصوت مسموع ينهي المحاولة فوراً في أغلب الحالات.

 * تغيير المكان: التحرك فوراً بعيداً عن الشخص ومحاولة خلق مساحة فاصلة باستخدام حقيبة اليد أو الحواجز المتاحة.

 * طلب المساعدة: في حال الاستمرار، يجب الاستعانة بالمتواجدين حولك أو أمن المكان وتوثيق الواقعة إن أمكن لتقديم بلاغ رسمي.

4. المسؤولية المجتمعية

تتطلب مواجهة هذه الظاهرة وعياً جماعياً:

 * شهود العيان: التدخل عند ملاحظة سلوك مريب يساعد في حماية الضحية وردع المتحرش الذي يخشى الفضيحة.

 * التوعية: التأكيد على أن الزحام ليس مبرراً لأي تلامس غير لائق، وأن الحق في "المساحة الشخصية" مكفول للجميع.


الأحد، 21 ديسمبر 2025

الرياضة : جسر المحبة ورسالة سلام نحو العالم


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!


مقدمة : 
تُعد الرياضة "اللغة العالمية" الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، فهي تمتلك قدرة فريدة على تجاوز الحدود الجغرافية، والنزاعات السياسية، والاختلافات الثقافية. لكي تتحول الرياضة من مجرد منافسة بدنية إلى رسالة أخلاق وسلام، يجب العمل على عدة محاور استراتيجية وتربوية.
1. الرياضة كقوة ناعمة لتعزيز السلم الدولي
الرياضة ليست مجرد أرقام وكؤوس، بل هي أداة دبلوماسية قوية. يمكننا تعزيز السلام من خلال:
الدبلوماسية الرياضية: استخدام البطولات الكبرى لتقريب وجهات النظر بين الشعوب المتنازعة (مثلما حدث في "دبلوماسية تنس الطاولة" تاريخياً).
المبادرات الموحدة: تنظيم مباريات ودية تجمع لاعبين من خلفيات متصارعة لإرسال رسالة وحدة للعالم.
2. ترسيخ "الروح الرياضية" كمنظومة أخلاقية
الأخلاق هي الروح التي تحرك الجسد الرياضي. لكي تكون الرياضة رسالة أخلاقية، يجب التركيز على:
الاعتراف بالآخر: تعليم الناشئة أن المنافس ليس عدواً، بل هو شريك في تطوير اللعبة.
النزاهة والعدالة: محاربة المنشطات والفساد الرياضي، لأن الرياضة التي تفتقر للعدل لا يمكنها نشر السلام.
التواضع عند النصر والرضا عند الهزيمة: وهي أسمى صور ضبط النفس والرقي الإنساني.
3. الرياضة كأداة لمكافحة العنصرية والتمييز
تعتبر الملاعب منصة عالمية لمحاربة الكراهية من خلال:
تنوع الفرق: إبراز نماذج لفرق تجمع أعراقاً وأدياناً مختلفة يعملون كقلب واحد لتحقيق هدف مشترك.
حملات التوعية: استغلال شهرة النجوم العالميين لإطلاق رسائل ترفض التنمر والعنصرية، مما يؤثر بشكل مباشر على ملايين المتابعين.
4. دور المؤسسات والتعليم الرياضي
لجعل الرياضة رسالة مستدامة، يجب أن يبدأ التغيير من الجذور:
المناهج المدرسية: إدراج قيم "اللعب النظيف" كجزء أساسي من التربية البدنية.
الإعلام الرياضي: تحويل التركيز الإعلامي من "إثارة التعصب" إلى تسليط الضوء على القصص الإنسانية والمواقف الأخلاقية داخل الملاعب.
خلاصة القول
إن الرياضة هي المرآة التي تعكس رقي الأمم. عندما نضع "الإنسان" قبل "النتيجة"، تتحول الملاعب من ساحات للصراع إلى واحات للتلاقي، وتصبح كل صافرة حكم هي دعوة للالتزام بالقانون والعدل، وكل مصافحة بعد المباراة هي ميثاق سلام يُكتب أمام العالم أجمع.
او كما قال الزعيم نيلسون مانديلا "الرياضة لديها القدرة على تغيير العالم، لديها القدرة على الإلهام، لديها القدرة على توحيد الناس بطريقة لا مثيل لها."

السبت، 20 ديسمبر 2025

رسالة شكر .....وامتنان....!!!

 


بسم الله الرحمن الرحيم

                         إلى السادة المحترمين

                       الجهة المانحة لشهادة دكتوراه الآداب

                            حفظكم الله ورعاكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يشرفني ويسعدني أن أتقدم إليكم بخالص عبارات الشكر وعظيم الامتنان، تقديرًا لمنحي شهادة دكتوراه في الآداب، وهو تكريم أعتز به كثيرًا، وأعدّه وسام شرف ومسؤولية علمية وأدبية كبيرة.

إن هذا التقدير الكريم يعكس اهتمامكم العميق بدعم الفكر والأدب والثقافة، ويحفزني على مواصلة العطاء والإسهام الجاد في خدمة الأدب واللغة والإنسانية، بما ينسجم مع القيم العلمية والإنسانية السامية التي تمثلونها.

وإني إذ أستلم هذا الشرف، أجدّد شكري لكل القائمين على هذه المبادرة العلمية الرفيعة، راجيًا من الله أن يوفقكم في رسالتكم النبيلة، وأن يديم عطـاءكم في خدمة العلم والمعرفة.

                 وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

ا

الخميس، 18 ديسمبر 2025

ظاهرة تراجع السعادة بين الزوجين: دراسة تحليلية اجتماعية ونفسي


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

تعُدّ السعادة الزوجية أحد أهم المؤشرات على صحة العلاقات الأسرية واستقرار المجتمع. غير أن الدراسات الحديثة وتشخيصات الخبراء تشير إلى تزايد ظاهرة تراجع السعادة بين الزوجين في السنوات الأخيرة، سواء لأسباب اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية، أو بفعل التحولات الثقافية التي أحدثتها التكنولوجيا وأنماط الحياة الجديدة.

تمثل هذه الظاهرة تحدياً حقيقياً للمنظومات الاجتماعية، إذ يؤثر تراجع السعادة على جودة الزواج، استقرار الأسرة، تنشئة الأبناء، وحتى الإنتاجية في العمل.

أولاً: مفهوم السعادة الزوجية

السعادة الزوجية هي حالة من الانسجام النفسي والعاطفي بين الزوجين، تقوم على:

1. التواصل الفعّال

2. التقدير والاحترام

3. التفاهم والتعاون

4. الإشباع العاطفي والجسدي

5. الأمن النفسي والاستقرار

وتتأثر هذه العناصر بعوامل داخلية وخارجية، منها البيئة الأسرية، الوضع الاقتصادي، والنضج العاطفي.

ثانياً: أسباب تراجع السعادة بين الزوجين

1. ضعف التواصل

يُعدّ ضعف التواصل أخطر أسباب تدهور العلاقة، ويتجلى في:

عدم الاستماع للآخر

تجاهل المشكلات

سوء التعبير عن المشاعر

اللجوء للصمت بدل الحوار

التواصل هو “الأكسجين العاطفي” لأي علاقة.

2. الضغوط الاقتصادية والمعيشية

ارتفاع تكاليف الحياة والالتزامات المالية يخلق توتراً داخل الأسرة، وينعكس على:

المزاج العام للزوجين

جودة الوقت المشترك

الاستقرار النفسي

الضغوط الاقتصادية تُعد عاملاً بارزاً في المجتمعات العربية والمغربية خاصة.

3. الروتين وفقدان الاهتمام

اكتمال سنوات الزواج الأولى يؤدي أحياناً إلى:

تكرار نفس العادات

غياب التجديد

انطفاء الشغف العاطفي

تراجع المبادرات الإيجابية

الروتين يقتل الشعور بالتميز، وهو عنصر مهم للحب 

4. تدخلات الأسرة والأصدقاء

التدخل المفرط من العائلة أو البيئة المحيطة يؤدي إلى:

صراع الولاءات

سوء الفهم

تفاقم الخلافات الصغيرة

الإحساس بفقدان الخصوصية الزوجية

5. تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل

الهواتف الذكية خلقت فجوة جديدة بين الأزواج من خلال:

قضاء وقت طويل على الإنترنت

المقارنة بين الحياة الواقعية والمثالية في السوشيال ميديا

الغيرة والشك الناتج عن التواصل مع الغرباء

الإدمان على المحتوى الذي يقلل من الحميمية الحقيقية

6. عدم التوافق العاطفي أو الفكري

قد يكون الزوجان غير منسجمين بسبب اختلاف:

القيم

طريقة التفكير

أسلوب حل المشاكل

الاحتياجات العاطفي

عدم التوافق يدفع أحدهما للشعور بعدم الفهم أو الإهمال.

7. غياب التقدير والاحترام

عندما يشعر أحد الزوجين بأنه غير مقدَّر:

يتراجع العطاء

تتصاعد النزاعات

تختفي المودة

الاحترام هو العمود الفقري للعلاقة.

8. مشاكل في العلاقة الحميمية

الحميمية جزء مركزي من الاستقرار الزوجي، وغيابها يؤدي إلى:

البرود العاطفي

التباعد النفسي

فقدان الارتباط الروحي

ثالثاً: نتائج تراجع السعادة الزوجية

1. زيادة الخلافات والمشاحنات

حتى الأسباب الصغيرة تتحول إلى صراعات كبيرة.

2. تعريض الأبناء لضغوط نفسية

الأطفال يتأثرون بالتوتر الأسري أكثر مما يبدو للوالدين.

3. تراجع الاستقرار الأسري والمجتمعي

تراجع السعادة يؤدي إلى:

الانفصال العاطفي

الطلاق الصامت

أو الطلاق الفعلي

4. مشكلات نفسية

مثل:

الاكتئاب

القلق

فقدان الثقة بالنفس

رابعاً: سبل تعزيز السعادة الزوجية

1. تحسين التواصل

تخصيص وقت يومي للحوار

التعبير الصريح عن المشاعر

الإصغاء دون مقاطعة

2. تقاسم المسؤوليات

تقاسم المهام يخفف الضغط عن أحد الطرفين ويزيد من الإحساس بالشراكة.

3. التجديد وكسر الروتين

من خلال:

الخروج معاً

تنظيم أنشطة مشتركة

الاحتفال بالمناسبات الخاصة

4. احترام الخصوصية

من المهم وضع حدود واضحة أمام تدخلات الآخرين.

5. تعزيز الحميمية العاطفية

مثل:

كلمات التقدير

الإطراء

المبادرات البسيطة

6. حل المشكلات بطريقة صحية

بدل الاتهام يجب:

مناقشة الحلول

فهم دوافع الطرف الآخر

تجنب التصعيد

7. اللجوء للاستشارة الأسرية عند الحاجة

المختصون يساعدون على فهم أعمق للمشكلة وتجاوزها.

خاتمة: 

إن تراجع السعادة بين الزوجين ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية. ويمثل فهم هذه الظاهرة خطوة أساسية نحو بناء علاقات صحية قائمة على التفاهم والاحترام والحوار.

إن العلاقة الزوجية ليست معطى ثابتاً، بل مشروع يحتاج إلى جهد متواصل، وتجديد دائم، ووعي مشترك من كلا الزوجين لضمان استقرار الأسرة وازدهارها.

ظاهرة الـVlogs اليومية في المجتمعات المعاصرة


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

دراسة سوسيولوجية–إعلامية تحليلية

مقدمة : 

أفرز التطور الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، خاصة يوتيوب، تيك توك، وإنستغرام، نمطًا جديدًا من الإنتاج الإعلامي يُعرف بـالـVlogs اليومية (Daily Vlogs)، وهي مقاطع فيديو توثّق تفاصيل الحياة اليومية للأفراد وتُعرض للجمهور بشكل منتظم. وقد تحوّلت هذه الظاهرة من مجرد تعبير شخصي إلى ممارسة اجتماعية وإعلامية ذات أبعاد ثقافية واقتصادية ونفسية عميقة، مما يجعلها موضوعًا جديرًا بالدراسة الأكاديمية.

إشكالية الدراسة

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس الآتي:

ما العوامل التي ساهمت في انتشار ظاهرة الـVlogs اليومية؟ وما آثارها النفسية والاجتماعية والثقافية على الأفراد والمجتمع؟

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية دراسة هذه الظاهرة في:

فهم التحولات في مفهوم الخصوصية والهوية الرقمية.

تحليل دور الإعلام الجديد في تشكيل الوعي الاجتماعي.

الكشف عن العلاقة بين الشهرة الرقمية والرأسمال الرمزي.

المنهج المعتمد : 

يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، مستندًا إلى مقاربات سوسيولوجية وإعلامية ونفسية.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

المطلب الأول: مفهوم الـVlogs اليومية

الـVlogs اليومية هي محتوى مرئي رقمي يعتمد على التوثيق اليومي للحياة الشخصية، ويُقدَّم في شكل سرد بصري مباشر، غالبًا دون تخطيط إعلامي تقليدي، مع توظيف أسلوب شخصي وحميمي في التواصل مع الجمهور.

المطلب الثاني: الأطر النظرية المفسِّرة

نظرية المجتمع الاستعراضي (غي ديبور): حيث تتحول الحياة الخاصة إلى مادة للعرض.

نظرية الهوية الرقمية: بناء الذات عبر الفضاء الافتراضي.

نظرية التفاعل الرمزي: تشكّل المعاني من خلال التفاعل مع الجمهور.

المبحث الثاني: أسباب انتشار الـVlogs اليومية

المطلب الأول: العوامل التكنولوجية

سهولة التصوير والنشر عبر الهواتف الذكية.

خوارزميات المنصات التي تكافئ الاستمرارية والتفاعل.

المطلب الثاني: العوامل النفسية

الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي والتقدير.

الرغبة في التعبير عن الذات وتجاوز الشعور بالوحدة.

المطلب الثالث: العوامل الاجتماعية والاقتصادية

تحوّل الـVlogs إلى مصدر دخل.

صعود ثقافة المؤثّرين وتراجع الإعلام التقليدي.

المبحث الثالث: الآثار المترتبة على الظاهرة

المطلب الأول: الآثار النفسية

الإدمان على التفاعل الرقمي.

القلق المرتبط بعدد المشاهدات والإعجابات.

تآكل الحدود بين الذات الحقيقية والذات المعروضة.

المطلب الثاني: الآثار الاجتماعية

إعادة تعريف مفهوم الخصوصية.

تطبيع كشف الحياة الشخصية.

تأثيرات على العلاقات الأسرية، خاصة عند إشراك الأطفال.

المطلب الثالث: الآثار الثقافية والقيمية

تسليع الحياة اليومية.

تعزيز ثقافة الاستهلاك والمقارنة الاجتماعية.

إعادة إنتاج نماذج سلوكية قد لا تعكس الواقع الحقيقي.

المبحث الرابع: الأبعاد النقدية والأخلاقية

المطلب الأول: إشكالية الخصوصية

تحوّل التفاصيل الشخصية إلى محتوى عام يطرح تساؤلات أخلاقية حول الحق في الخصوصية، خاصة للأطفال.

المطلب الثاني: المصداقية والتمثيل

هل تعكس الـVlogs الحياة الواقعية أم نسخة مُنمَّقة منها تخضع لمنطق الخوارزميات؟

المطلب الثالث: المسؤولية الاجتماعية

مسؤولية صناع المحتوى في تقديم محتوى واعٍ يحترم القيم الثقافية والاجتماعية.

المبحث الخامس: آفاق التنظيم والمعالجة

المطلب الأول: التوعية الإعلامية

تعزيز التربية على الإعلام الرقمي والنقد الواعي للمحتوى.

المطلب الثاني: الأطر القانونية

سنّ قوانين تحمي الخصوصية وتُنظم إشراك القُصّر في المحتوى.

المطلب الثالث: المقاربة التربوية

توجيه الشباب نحو الاستخدام الإبداعي والهادف للإعلام الجديد.

خاتمة : 

تُعدّ ظاهرة الـVlogs اليومية انعكاسًا واضحًا لتحوّل الإنسان المعاصر من مستهلك للإعلام إلى منتج له. ورغم ما توفره من فرص للتعبير والدخل، فإنها تطرح تحديات نفسية وأخلاقية وقيمية تستوجب مقاربة نقدية متوازنة، تحترم حرية التعبير دون المساس بكرامة الإنسان وخصوصيته.

مراجع مقترحة

ديبور، غي. مجتمع الاستعراض.

باومان، زيغمونت. الحياة السائلة.

كاستلز، مانويل. مجتمع الشبكات.

غوفمان، إرفنغ. عرض الذات في الحياة اليومية.

السبت، 13 ديسمبر 2025

ظاهرة العلاقات السريعة والعابرة في المجتمعات المعاصرة

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

دراسة اجتماعية تحليلية

مقدمة : 

شهدت المجتمعات المعاصرة تحولات عميقة في أنماط العلاقات الإنسانية، لا سيما العلاقات العاطفية، حيث برزت ظاهرة العلاقات السريعة والعابرة بوصفها نمطًا جديدًا من التفاعل الاجتماعي يقوم على الارتباط المؤقت، وغياب الالتزام، وسهولة الانفصال. وتُعدّ هذه الظاهرة انعكاسًا مباشرًا للتغيرات الثقافية والتكنولوجية والقيمية التي أفرزها العصر الحديث، مما يجعل دراستها ضرورة أكاديمية لفهم آثارها على الفرد والمجتمع.

إشكالية الدراسة

تتمحور إشكالية هذا الموضوع حول التساؤل الآتي:

ما العوامل التي ساهمت في انتشار ظاهرة العلاقات السريعة والعابرة؟ وما انعكاساتها النفسية والاجتماعية والثقافية على الأفراد والمجتمع؟

أهمية الموضوع

تكمن أهمية دراسة هذه الظاهرة في:

الكشف عن التحولات القيمية في المجتمع المعاصر.

فهم تأثير العلاقات غير المستقرة على الصحة النفسية والاجتماعية

الإسهام في وضع مقاربات تربوية واجتماعية للحد من آثارها السلبية.

المنهج المعتمد

يعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال وصف الظاهرة وتحليل أسبابها ونتائجها بالاستناد إلى مقاربات سوسيولوجية ونفسية.

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

المطلب الأول: مفهوم العلاقات السريعة والعابرة

تُعرَّف العلاقات السريعة والعابرة بأنها روابط عاطفية أو اجتماعية قصيرة الأمد، تقوم على الإشباع المؤقت للحاجات النفسية أو العاطفية، دون وجود نية واضحة للاستمرار أو الالتزام طويل المدى.

المطلب الثاني: الإطار النظري للظاهرة

تفسَّر هذه الظاهرة في ضوء عدة نظريات، من أبرزها:

نظرية الحداثة السائلة (زيغمونت باومان): حيث تتسم العلاقات بالهشاشة وسرعة التفكك.

نظرية التبادل الاجتماعي: التي ترى أن العلاقات تُبنى على مبدأ الربح والخسارة.

نظرية الفردانية: التي تعلي من شأن الذات على حساب الروابط الاجتماعية المستقرة.

المبحث الثاني: أسباب انتشار الظاهرة

المطلب الأول: العوامل التكنولوجية

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التعارف في تسريع وتيرة العلاقات، وإضفاء طابع الاستهلاك العاطفي عليها.

المطلب الثاني: العوامل النفسية

منها الخوف من الالتزام، وانخفاض مستوى النضج العاطفي، والتجارب العاطفية الفاشلة السابقة.

المطلب الثالث: العوامل الاجتماعية والثقافية

تراجع دور الأسرة في التوجيه العاطفي.

التحولات القيمية المرتبطة بالعولمة.

الضغوط الاقتصادية وتأخر سن الزواج.

المبحث الثالث: آثار العلاقات السريعة والعابرة

المطلب الأول: الآثار النفسية

القلق والاكتئاب.

الشعور بالفراغ العاطفي.

فقدان الإحساس بالأمان النفسي.

المطلب الثاني: الآثار الاجتماعية

ضعف الروابط الاجتماعية.

تراجع مفهوم الأسرة المستقرة.

تفكك النسيج الاجتماعي.

المطلب الثالث: الآثار القيمية

تطبيع العلاقات غير الملتزمة.

تراجع قيم الوفاء والمسؤولية.

المبحث الرابع: آفاق المعالجة والمواجهة

المطلب الأول: الدور التربوي

إدماج التربية العاطفية في المناهج التعليمية.

تعزيز قيم الاحترام والالتزام.

المطلب الثاني: الدور الأسري والإعلامي

توعية الشباب بمخاطر العلاقات العابرة.

تقديم نماذج إيجابية للعلاقات المستقرة.

المطلب الثالث: المقاربة المجتمعية

دعم مبادرات الإرشاد الأسري والنفسي.

تشجيع الحوار المجتمعي حول القيم والعلاقات الإنسانية.

خاتمة : 

خلصت الدراسة إلى أن ظاهرة العلاقات السريعة والعابرة ليست مجرد سلوك فردي، بل هي نتاج سياق اجتماعي وثقافي معقد. ورغم ما توفره من إشباع مؤقت، فإنها تخلّف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، مما يستدعي تضافر الجهود التربوية والثقافية لإعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية القائمة على الاستقرار والالتزام.

مراجع مقترحة

باومان، زيغمونت. الحداثة السائلة.

أنتوني غيدنز. تحولات الحميمية.

دوركايم، إميل. تقسيم العمل الاجتماعي.

إمارة المؤمنين بالمغرب: رمز للتعايش الديني والاستقرار الروحي


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

يُعدّ نظام إمارة المؤمنين أحد أبرز الخصوصيات الدينية والسياسية للمملكة المغربية، حيث يجمع بين الشرعية التاريخية والدينية، ويوفّر إطارًا فريدًا للحكم يوازن بين الهوية الإسلامية والانفتاح على التعدد الديني. وقد جعل هذا النظام من المغرب نموذجًا عالميًا في التسامح الديني والاستقرار الروحي، باعتباره مؤسسة قائمة على حماية الدين وصيانة القيم المشتركة بين المؤمنين بالله، مسلمين ويهود ومسيحيين وغيرهم.

أولًا: الجذور التاريخية لإمارة المؤمنين في المغرب

ترتكز إمارة المؤمنين على بيعة دينية وسياسية تمتدّ لقرون، حيث ظلّ المغاربة يختارون ملوكهم على أساس:

1. الانحدار النبوي الشريف؛

2. العلم الشرعي والحكمة السياسية؛

3. القدرة على حماية الوطن والدين.

وقد نجحت هذه المؤسسة في الحفاظ على استمراريتها وتماسكها بفضل اندماجها في البنية الاجتماعية وصيانة الأمن الروحي للمجتمع.

ثانيًا: إمارة المؤمنين إطار جامع لكل المؤمنين بالله

من أهم خصوصيات هذا النظام أنّه لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يشمل كلّ من يؤمن بالله، وهو ما يجعل علاقة أمير المؤمنين بالمغاربة علاقة قائمة على:

حماية حرية العقيدة؛

صون حقوق الأقليات الدينية؛

ضمان ممارسة الشعائر الدينية في إطار من الاحترام والكرامة.

وقد ظلّ اليهود المغاربة على مدى التاريخ جزءًا من هذا النسيج الوطني، يتمتعون بحماية أمير المؤمنين واحترام خصوصياتهم الدينية والثقافية.

ثالثًا: التعايش الديني في ظل إمارة المؤمنين

يتميز المغرب بتعدد مكوناته الروحية والدينية، وقد استطاعت إمارة المؤمنين أن تضمن لهذا التنوع إطارًا سليمًا يقوم على:

1. التوازن بين الأصالة والانفتاح؛

2. ترسيخ قيم الاعتدال والوسطية؛

3. محاربة التطرف بكل أشكاله؛

4. احتضان الهويات الدينية المختلفة داخل وحدة وطنية متماسكة.

وتظهر هذه الخصوصية في انتشار المعابد اليهودية، وترميم المقابر التراثية، وفي التشجيع المستمر لحوار الأديان.

رابعًا: الاستقرار الروحي ودوره في استقرار الدولة والمجتمع

لقد أثبتت التجربة المغربية أن الاستقرار الروحي هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي. فحماية المرجعية الدينية المعتدلة، القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، مكّنت من:

تعزيز الأمن الفكري للمواطنين؛

محاصرة الأفكار المتطرفة؛

تقوية الانتماء الوطني؛

ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.

وهذا ما جعل المغرب نموذجًا فريدًا في شمال إفريقيا والعالم الإسلامي في مواجهة التطرف.

خامسًا: إمارة المؤمنين نموذج عالمي للتسامح والانفتاح

أصبحت التجربة المغربية مرجعًا دوليًا، وتم اعتمادها في العديد من الدول الإفريقية في مجال تكوين الأئمة ونشر ثقافة السلم الديني. وقد لعبت إمارة المؤمنين دورًا رائدًا في:

دعم الحوار بين الأديان؛

تعزيز الدبلوماسية الروحية؛

تقديم مبادرات إنسانية قائمة على قيم الرحمة والتعايش.

خاتمة : 

إن إمارة المؤمنين بالمغرب ليست مجرد مؤسسة دينية أو سياسية، بل هي عمود فقري لوحدة الأمة المغربية وضمانة لتعايشها الديني واستقرارها الروحي. وقد مكّنت هذه المؤسسة البلاد من بناء نموذج حضاري متفرد، يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الانتماء الإسلامي والاحترام العميق للتنوع الثقافي والديني. وفي سياق عالم يعرف صراعات دينية متزايدة، يبرز المغرب كمنارة للتسامح والاعتدال، بفضل حكمة أمير المؤمنين ودوره المركزي في صيانة القيم الروحية والوحدة الوطنية.

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

رسالة من القلب…...إلى أصدقائي وخلّاني.....وأحبابي

 


رسالة من القلب…...إلى أصدقائي وخلّاني.....وأحبابي 

إلى من جمعتني بهم الأيام، ثم فرّقتنا لحظة ضعف لم أكن أتصوّر قسوتها…

أنا خليفة مزضوضي،

أكتب إليكم لا عتابًا ولا شكوى، بل وجعًا صامتًا قرر أخيرًا أن يتكلم.

حين كنتُ قويًا، كانت الوجوه كثيرة، والضحكات تحيط بي من كل جانب.

وحين مرض الجسد، انكشفت الحقيقة…

أحلى عني القريب قبل البعيد، وتناقصت الأصوات حتى لم يبقَ إلا الصمت.

لم يكن المرض هو الأشد ألمًا،

بل تلك الوحدة التي تسللت إلى أيامي،

حين انتظرتُ سؤالًا لم يأتِ،

وكلمةً لم تُقال،

ويدًا لم تمتد.

وجدتُ نفسي وحيدًا،

أحادث الجدران،

وأستأنس بالذكريات،

حتى لم أجد رفيقًا أصدق من القلم،

ولا صديقًا أوفى من الكتاب.

القلم لم يسألني لماذا ضعفت،

والكتاب لم يخذلني حين ثقلت أيامي،

كانا معي في الليل الطويل،

حين خفتت كل الأنوار.

لا ألوم أحدًا،

فالدنيا تُعلّمنا بطرق قاسية،

لكنها علّمتني درسًا لن أنساه:

ليس كل من ضحك معك صديق،

وليس كل من غاب عنك عدو…

لكن الصديق الحقيقي يُعرف في لحظات الانكسار.

أكتب لكم اليوم،

لا لأستعيد أحدًا،

بل لأقول: ما زلت هنا،

أتألم بصمت،

وأقاوم بالكتابة،

وأعيش على أمل أن لا يذوق غيري مرارة الوحدة كما ذقتها.

خليفة مزضوضي

الخميس، 11 ديسمبر 2025

الإنتخابات البرلمانية المغربية 2026 قرائة في التحديات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية(1)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

وقفة سريعة حول الانتخابات البرلمانية المغربية المقبلة المقررة عام 2026، وتأتي في سياق سياسي واجتماعي متوتر: حكومة ائتلافية يقودها حزب RNI بقيادة عزيز أخنوش، وتصاعد تحرّكات شبابية احتجاجية على قضايا البطالة وتردّي الخدمات، إلى جانب تحديات اقتصادية وبنيوية (تكلفة المعيشة، بطالة الشباب، ضعف البنية التحتية). هذه العوامل تجعل انتخابات 2026 محطة قد تغيّر موازين القوى أو تُعيد إنتاج التحالفات الحالية مع ضغوط للرفق بالإصلاحات. 

1) السياق السياسي الحالي

الموعد: الانتخابات التشريعية مقرَّرة سنة 2026 (إجراءات وزارة الداخلية ولقاءات تحضيرية بين الوزارة وأحزاب السياسة تؤكد ذلك). 

الحكومة الحالية: ائتلاف بين أحزاب بارزة (مثل الاحرار و الاستقلال والاصالة) بقيادة عزيز أخنوش منذ 2021، ما انعكس على سياسات اقتصادية واجتماعية محددة. 

2) الفاعلون الرئيسيون ومرتكزاتهم

حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI): يمثّل التيار الليبرالي الاقتصادي ويُعتبر الحزب الحاكم حالياً (قوة الموارد والرؤية التنموية). 

حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) وحزب الاستقلال (الاستقلال): شركاء ائتلافيون لهم ثقل محلي وإقليمي داخل المملكة. 

أحزاب يسارية وإسلامية وكتل أصغر: ما زالت تؤثر على المشهد المحلي وفي قضايا محددة (قضايا اجتماعية وحقوقية).

الحركة الاحتجاجية (GenZ 212 ومجموعات شبابية أخرى): ظهرت كمكوّن ضاغط يطرح مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسيات إنفاذ للعدالة في النفقات العمومية؛ لها قدرة على تعبئة الشارع وتشكيل جدول قضايا الانتخاب. 

3) أهم التحديات الراهنة المؤثرة على الانتخابات

1. اقتصاد وحياة الناس (تكلفة المعيشة والبطالة خصوصًا بين الشباب): آثار ملموسة تغذي استياءً عامًا وتصبح محور برامج انتخابية ومطالب احتجاجية. 

2. الاحتجاجات الشبابية وطلب عقد اجتماعي جديد: احتكاك بين مطالب الشارع وسرديات الأحزاب التقليدية قد يفتح فراغًا لصعود أصوات جديدة أو تغيُّر سلوكي لدى الناخبين. 

3. بُنى تحتية وخدمات عمومية ضعيفة/حوادث استثنائية: انهيارات مبانٍ أو إخفاقات الخدمات تزيد الغضب الشعبي وتستغل سياسياً؛ وتطرح سؤال المساءلة والإدارة المحلية. (مثال حديث: حادث انهيار مباني بفاس أثار غضبًا وتساؤلات عن تطبيق المعايير/المتابعة). 

4. قضايا الحكم ورؤية الإصلاح: مطالبة الشباب والوسط المدني بمزيد من الشفافية والمساءلة ومشروعات خلق فرص عمل حقيقية. 

5. سياق إقليمي ودولي (اقتصاد، مشاريع بنية تحتية كبرى، ملف الصحراء): يؤثر على السرد التنموي للأحزاب ويسمح للحكومة بالتأكيد على مشاريع كبرى كإنجازات انتخابية. 

4) كيف تُشكّل هذه التحديات المشهد الانتخابي؟ (الانعكاسات)

استياء اقتصادي = فرصة للمعارضة: ارتفاع كلفة المعيشة والبطالة قد يدفع الناخبين إلى معاقبة الأحزاب الحاكمة إن لم تتحسّن المؤشرات قبل الانتخابات. 

تحوّل قاعدي للناخب الشاب: إن نجحت الحركات الشبابية في ترجمة التعبئة إلى مشاركة منتظمة (تصويت أو دعم قوائم محلية)، فقد تُغيّر نسب الأصوات التقليدية. 

تركيز الحملات على القضايا المعيشية والبنيوية: توقع تنافس على وعود التشغيل، السكن، وإصلاح الخدمات المحلية، بدل الخطاب التقليدي فقط حول الهوية أو البرامج الكبيرة.

إمكانية إعادة ترتيب ائتلافات ما بعد الانتخابات: حتى إن احتفظت الأحزاب الكبيرة بمقاعد، سينشأ تساؤل حول تكوين أغلبية وبرنامج 2026–2030.

5) سيناريوهات محتملة لنتائج 2026

1. إعادة إنتاج التحالف الحاكم: إذا بلكت الحكومة مشاكل التحول الاقتصادي أو وفّرت إنجازات ملموسة (مشاريع تشغيلية/برامج اجتماعية)، قد تعيد الأغلبية الحالية تشكيل حكومتها. 

2. تصويت عقابي/تبدّل نسبي للأحزاب التقليدية: تآكل في أساليب التصويت التقليدية مع مكاسب لأحزاب المعارضة أو قوائم محلية مدعومة من المجتمع المدني. 

3. ظهور قوائم/مرشحين شبان مستقلين مؤثرين: خصوصًا في المدن والدوائر الحضرية المتأثرة بالاحتجاجات والشباب الباحث عن بدائل.

6) توصيات عملية (موجّهة لأطراف مختلفة)

أ. للحكومة/الائتلاف الحاكم

إعطاء أولوية فورية لخطط ملموسة تخفف من الضغط المعيشي (مبادرات استهداف الطبقات الضعيفة، برامج تشغيل عاجلة للشباب). 

تسريع الإصلاح الإداري والشفافية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية ومعايير السلامة (للحد من الحوادث التي تُغذي سخطًا شعبيًا). 

الانخراط الحقيقي في حوار وطني مع منظمات المجتمع المدني والشباب لتفادي تصعيد الاحتجاجات قبل الاقتراع. 

ب. للأحزاب التقليدية والمعارضة

بناء برامج انتخابية قابلة للقياس تركز على التشغيل والسكن والخدمات المحلية بدلاً من الشعارات العامة.

الاستفادة من الحراك الشبابي عبر دمج مطالبهم في برامج قابلة للتنفيذ وقيادات شابة ضمن القوائم الانتخابية. 

ج. للمجتمع المدني والحركات الشبابية

تحويل الاحتجاج إلى برامج ضغط مؤسساتي: مذكرات مطالب، مبادرات قانونية، حملات تسجيل ناخبين، ومشاركة تنظيمية يوم الاقتراع. هذا يزيد من تأثيرهم السياسي. 

د. للناخبين والمجتمع

التركيز على المعايير الموضوعية (برامج قابلة للقياس، قدرة الأحزاب على التنفيذ، سجل محلي للمرشحين) عند اختيار التصويت.

المشاركة المدنية (تسجيل، تصويت، مراقبة انتخابية) هي الوسيلة الأكثر فعالية لترجمة المطالب إلى تغيير فعلي.

7) نقاط يجب مراقبتها عن قرب قبيل وبعد الاقتراع

1. تطورات الاقتصاد الكلي ومؤشرات البطالة وحملات الدعم الاجتماعي. 

2. مستوى تعبئة شباب الحراك (من مجرد احتجاج إلى مشاركة انتخابية). 

3. قضايا البنية التحتية وأحداث ميدانية قد تغيّر الرأي العام فجأة (حوادث، فضائح، أو إنجازات كبيرة). 

4. مخرجات مبدأية لحوارات وزارة الداخلية مع الأحزاب وإجراءات شفافية في سير الانتخابات. 

خاتمة : 

الانتخابات البرلمانية 2026 في المغرب ستكون اختبارًا لمدى قدرة النظام السياسي على الاستجابة لضغوط اجتماعية واقتصادية متصاعدة، ولقدرة الأحزاب على ترجمة ذلك إلى برامج قابلة للتنفيذ. تحوّل الشباب من الاحتجاج الشارعي إلى المشاركة المنظمة يمكن أن يكون العامل الفاصل. أمام الجميع — حكومةً وأحزابًا ومجتمعًا مدنيًّا — فرصة لتوجيه النقاش إلى برامج وطنية عملية تُخفّف الضغوط المعيشية وتعزّز ثقة المواطن في المؤسسات.


الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

ظاهرة جحود المرأة العنيدة في العصر الحديث: دراسة فقهية–اجتماعية–علمية


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

شهدت البنية الاجتماعية في العصر الحديث تحولات جوهرية مست الأسرة والعلاقات داخلها، نتيجة تغير الأدوار الاقتصادية والثقافية وتنامي النزعة الفردانية. وفي ظل هذه التحولات، ظهرت مفاهيم جديدة في الخطاب الاجتماعي، من بينها ما يُطلق عليه البعض “جحود المرأة العنيدة”.

ورغم أن هذا المصطلح غير دقيق علميًّا، لأنه ينسب سلوكيات إنسانية عامة للمرأة وحدها، إلا أن تداوله يعكس وجود إشكالات حقيقية في التواصل والتفاهم داخل الأسرة تستحق الدراسة من منظور فقهي واجتماعي وعلمي.

أولًا: التأصيل المفاهيمي والفقهي

1. الجحود والعناد لغةً واصطلاحًا

الجحود في اللغة: نكران الفضل وعدم الاعتراف بالإحسان.

العناد: الإصرار على الرأي ورفض التراجع رغم وجود مرجحات منطقية.

وفي الفقه الإسلامي جاء النص الشرعي محذّرًا من كفران العشير لما له من آثار سلبية على استقرار الأسرة.

إلا أن الفقهاء أكدوا أن السلوك المذموم هو السلوك لا الجنس، وأن الجحود قد يصدر من الرجل والمرأة معًا.

2. الموازنة الفقهية

يقرر الفقه الإسلامي مبدأين أساسيين يحكمان العلاقة الزوجية:

1. العدل والوصية بالنساء: “واستوصوا بالنساء خيرًا”، وهو توجيه نبوي يحثّ على رحمة النساء والرفق بهن.

2. التوازن في الحقوق والواجبات: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف”.

وعليه، فإن تفسير سلوكيات المرأة في ضوء المفهوم الفقهي يجب أن يتم ضمن السياق الكامل للمنظومة الأخلاقية والتربوية، لا بمنطق التعميم أو الاتهام.

ثانيًا: البعد الاجتماعي والسوسيولوجي للظاهرة

1. تغير الأدوار الاجتماعية

أدى ارتفاع نسب التعليم لدى النساء، ودخولهن بقوة لسوق الشغل، إلى إعادة تشكيل علاقة السلطة داخل الأسرة. هذا التحول دفع بعض الرجال إلى تفسير assertiveness أو قوة الشخصية لدى المرأة بأنها عناد أو جحود، بينما هي في حقيقتها استقلالية معرفية ونفسية.

2. سيولة القيم الحديثة

هيمنة الخطابات الفردانية والعرضية (اللازمنية) في الإعلام ومواقع التواصل أدت إلى ظهور نزعات جديدة لدى بعض النساء، مثل:

تضخيم مفهوم “الاستقلال المطلق”.

الحساسية من السلطة الأبوية والزوجية السابقة.

تبني قيم “التحقق الذاتي” على حساب “التكامل الأسري”.

3. أزمة التواصل الأسري

ضعف مهارات الحوار بين الزوجين وغياب التربية على “لغة الاحترام” يخلق بيئة خصبة لتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات عناد، ثم إلى ما يصطلح الناس عليه “الجحود”.

ثالثًا: البعد النفسي والعلمي

تشير الدراسات النفسية إلى عدة عوامل قد تفسّر السلوكيات المتصلبة عند المرأة، منها:

1. تجارب الطفولة والتنشئة

تنشئة تقوم على النقد المستمر أو غياب الاحتواء العاطفي تؤدي غالبًا إلى نمط الشخصية الدفاعية.

المرأة ذات التاريخ الأسري المتوتر تميل لاستخدام العناد لحماية ذاتها.

2. الضغوط النفسية والإنهاك العاطفي

المرأة العاملة تعيش عبئًا مزدوجًا (عمل–منزل). الإرهاق المستمر يجعلها أقل قدرة على ضبط العاطفة، مما يُظهر شكلًا من أشكال التصلب أو عدم الاعتراف بجهود الطرف الآخر، دون أن يكون ذلك نية واعية بالجحود.

3. اضطراب التوقعات

عدم وضوح الأدوار بين الزوجين يزيد من التصادم.

عندما تتوقع المرأة دعمًا نفسيًا أو تحملًا أكبر من الزوج ولا تجده، يتولد انسحاب عاطفي يظهر في صورة عناد.

رابعًا: الآثار الأسرية والاجتماعية

تفكك الروابط العاطفية بين الزوجين.

تشوّه صورة القدوة عند الأطفال.

ارتفاع مستويات التوتر الأسري.

زيادة نسب الطلاق في البيئات التي تضعف فيها ثقافة الحوار.

خامسًا: معالجة الظاهرة من منظور فقهي–اجتماعي–علمي

1. تعزيز قيمة الامتنان (الاعتراف بالفضل)

حثّ الإسلام على الشكر، وعدّه من مكارم الأخلاق.

التربية على الامتنان تُخفف من كل مظاهر الجحود.

2. بناء مهارات الحوار بين الزوجين

تدريب على الاستماع الفعّال.

التعبير دون جرح.

إدارة الخلاف بدل خوض الصراع.

3. دور الاستشارات الأسرية

الدعم النفسي والزوجي يوضح جذور السلوك ويعالجها علميًا دون إلقاء اللوم على طرف واحد.

4. إعادة التوازن في الأدوار

ينبغي للزوجين أن يدركا أن الأسرة ليست ساحة “غلبة”، بل منظومة تعاون.

تفهم الزوج لاستقلالية المرأة، وتفهم المرأة لحاجة الرجل للتقدير، يحقق التوازن .

خاتمة : 

إنّ ما يُطلق عليه “جحود المرأة العنيدة” ليس ظاهرة قائمة بذاتها بقدر ما هو نتاج تغيرات عميقة يعيشها المجتمع الحديث، تجمع بين التحولات الفقهية في فهم الأدوار، والتحديات الاجتماعية، والعوامل النفسية المؤثرة.

ومعالجة الظاهرة تستلزم رؤية شمولية تُعيد بناء العلاقة الزوجية على أسس من الرحمة، والعدل، والحوار، والامتنان، لا على الخطاب الاتهامي أو التعميم الذي يفتقر إلى الأساس العلمي .

**ظاهرة “الميمات”: لماذا أصبح بعض الشباب يميلون إلى النساء فوق سن الأربعين؟(2)


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

شهدت السنوات الأخيرة انتشار مصطلح جديد في الخطاب الشبابي المغربي يُعرف بـ “الميمات”، ويقصد به النساء اللواتي تجاوزن سن الأربعين ويصبحن محلّ ميل أو انجذاب عند شباب في العشرينات أو بداية الثلاثينات.

هذه الظاهرة، رغم طابعها الاجتماعي-الرقمي، لها جذور نفسية وسوسيولوجية عميقة، وتكشف عن تحولات في بنية العلاقات والجاذبية والقيم داخل المجتمع المغربي المعاصر.

أولًا: خلفية اجتماعية لظهور المفهوم

1. تغير صورة المرأة الأربعينية

لم تعد الأربعينية تُرى كمرحلة نهاية الأنوثة، بل كمرحلة نضج واستقلال اقتصادي وعاطفي.

2. صعود الخطاب الرقمي

المنصات الرقمية (فيسبوك – تيك توك – إنستغرام) ساهمت في إبراز نماذج نسائية ناضجة تتمتع بجاذبية وثقة بالنفس.

3. تحول القيم الأسرية

تأخر الزواج وتراجع الروابط التقليدية جعل العلاقات غير الرسمية أكثر حضورًا بين الفئات العمرية المختلفة.

ثانيًا: الأسباب النفسية لميول الشباب نحو “الميمات”

1. البحث عن الحنان العاطفي والأمان النفسي

يشعر بعض الشباب أن المرأة الناضجة أكثر:

تفهمًا

استقرارًا

قدرة على الاحتواء

وهي خصائص تفتقدها بعض الفتيات الصغيرات بسبب الضغوط الاجتماعية وسرعة الإيقاع الرقمي.

2. غياب المسؤولية الثقيلة

العلاقات مع امرأة ناضجة تكون غير مشروطة غالبًا بالزواج الفوري، ما يريح الشاب من:

الضغط المادي

الالتزامات العائلية

الخوف من المستقبل

3. الإعجاب بالتجربة والخبرة الحياتية

الشباب يميلون أحيانًا إلى امرأة تمتلك خبرة في التعامل، وثقة بالنفس، وأناقة مستقرة.

ثالثًا: الأسباب الاجتماعية والاقتصادية

1. الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف الزواج

عوامل مثل:

البطالة

غلاء المعيشة

ارتفاع تكاليف الزواج والسكن

تجعل الشباب غير مستعدين للزواج من فتيات في عمرهم، فيلجؤون إلى علاقات غير رسمية مع نساء مستقلات اقتصاديًا.

2. تحرر اقتصادي للنساء فوق 40

الكثير من النساء الناضجات يمتلكن:

وضعًا ماليًا جيدًا

استقلالًا مهنيًا

قدرة على المساعدة والدعم

وهذا يجذب بعض الشباب الباحثين عن استقرار مادي أو عاطفي.

رابعًا: البعد الثقافي للظاهرة

1. تغير معايير الجاذبية

الجاذبية لم تعد مرتبطة بالعمر فقط، بل:

بالشخصية

والأناقة

والنجاح

والنضج

وهذا يفسّر الإقبال على المرأة الأربعينية المتميزة.

2. تفكك الخطاب التقليدي

النظام الثقافي الذي كان يُحدد أدوار الجنسين بدقة بدأ يتفكك، مما أفسح المجال لعلاقات غير نمطية.

خامسًا: الآثار الاجتماعية المحتملة

آثار سلبية

عدم توازن العلاقة العمرية على المستوى النفسي.

احتمال استغلال أحد الطرفين للآخر (عاطفيًا أو اقتصاديًا).

ضعف رغبة الشباب في العلاقات الرسمية والزواج.

آثار إيجابية : 

اعتراف اجتماعي بجاذبية النضج.

إعادة تعريف مفهوم الأنوثة بعد الأربعين.

توفير دعم نفسي لبعض الشباب الباحثين عن الاستقرار العاطفي.

خاتمة : 

ظاهرة “الميمات” ليست مجرد موضة شبابية، بل هي نتيجة تحولات عميقة في المجتمع المغربي في ما يخص:

القيم

الاقتصاد

العلاقات بين الجنسين

مفهوم الجاذبية

وتمثل انعكاسًا لما يعيشه الشباب والنساء من تغيرات ضاغطة على المستويات النفسية والاجتماعية.

تنامي ظاهرة الجن العاشق واستغلال العقول الضعيفة: مقاربة فكرية-اجتماعية


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

تشهد المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة انتشارًا ملحوظًا لخطاب “الجن العاشق”، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الممارسات الروحانية غير المنضبطة. وقد تحوّل هذا الخطاب من مجرد اعتقاد شعبي إلى ظاهرة اجتماعية لها امتدادات نفسية واقتصادية وثقافية، تستغل فيها العقول الضعيفة وتُغذّى مخاوف الأفراد لتحقيق مصالح مادية أو رمزية. مما يفرض دراسة أكاديمية موضوعية لهذه الظاهرة بعيدًا عن التهويل أو الإنكار.


أولًا: الخلفية الدينية والفكرية للظاهرة

1. الجذور العقدية:

الموروث الإسلامي يعترف بوجود الجن ككائنات غيبية، لكن دون إسناد علاقة “عشق” أو ارتباط حميمي بالإنس على النحو الشائع في الثقافة الشعبية.

2. التراث الشعبي:

قصص الحب بين الجن والإنس متجذّرة في المخيال الشعبي، وغالبًا ما تُستخدم لتفسير أحداث غامضة أو اضطرابات غير مفهومة.

3. الخلط بين الدين والخرافة:

غياب التمييز بين ما هو شرعي وما هو أسطوري فتح الباب أمام تأويلات خاطئة تستغل جهل بعض الناس.

ثانيًا: الأسباب الاجتماعية والنفسية وراء تنامي الظاهرة

1. ضعف الوعي الديني والعلمي لدى فئات واسعة من المجتمع.

2. الاضطرابات النفسية غير المشخّصة مثل القلق، الاكتئاب، والصدمة النفسية، والتي تُفسَّر خطأ بأنها فعل “جن عاشق”.

3. الهشاشة العاطفية لدى النساء والفتيات مما يجعلهن أكثر تأثرًا بخطاب يتلاعب بمشاعر الخوف والوحدة.

4. التأثير الكبير لوسائل التواصل التي تتيح انتشار القصص المفبركة ومقاطع “الرقية” التي تعزز الإيحاء والإقناع.

5. غياب الدعم الأسري وارتفاع الضغوط الاجتماعية مما يدفع الأفراد للبحث عن تفسيرات غيبية لمعاناتهم.

ثالثًا: استغلال الظاهرة في تضليل العقول الضعيفة

1. الدجل والاسترزاق:

يستغل بعض الدجالين والسحرة المصطلح لجذب الزبائن وابتزازهم ماليًا تحت وعود “فك العشق” أو “تحرير الجسد”.

2. التلاعب النفسي:

يتم إقناع بعض النساء بأنهن “محبوبات من الجن”، مما يخلق تبعية نفسية للخارج ويُضعف الثقة بالنفس.

3. الاعتداءات البدنية واللفظية تحت غطاء “العلاج الروحاني”، وهو أمر خطير يرقى أحيانًا إلى جرائم.

4. إيهام المريض بفقدان السيطرة على ذاته مما يعمّق الاضطرابات بدل علاجها.

رابعًا: القراءة العلمية للظاهرة

1. علم النفس يفسر معظم الحالات بأنها:

اضطرابات قلق وهلع

توتر شديد

ضغوط اجتماعية

هلوسات ناتجة عن صدمة نفسية

2. الطب العصبي يؤكد أن بعض الأعراض قد تكون نتيجة اختلالات عصبية.

3. السوسيولوجيا ترى أن الظاهرة نتاج هشاشة معرفية وغياب تكوين ديني وفقهي رصين.

خامسًا: آثار الظاهرة على الفرد والمجتمع

تفاقم الخوف المرضي من العالم الغيبي.

تأخر العلاج الطبي والنفسي بسبب اللجوء إلى الطرق الشعبية.

استغلال مالي قد يصل مبالغ طائلة.

تفكك أسري نتيجة سوء الفهم أو الاتهامات المتعلقة بالسحر والجن.

سادسًا: مقترحات للحلول والتوعية

1. تعزيز الوعي الديني السليم عبر العلماء المختصين.

2. دعم الصحة النفسية وتشجيع الناس على استشارة الأخصائيين بدل الدجالين.

3. تقنين مجال الرقية الشرعية ومنع الاستغلال التجاري لها.

4. تنظيم حملات توعية عبر المدارس والإعلام لتفكيك الخرافات.

5. التعاون بين علماء النفس والفقهاء لتقديم خطاب متوازن يجمع بين العلم والدين.

6. إطلاق مبادرات مجتمعية لحماية الفئات الهشة من الابتزاز والاستغلال. .

خاتمة : 

إن ظاهرة الجن العاشق ليست مجرد اعتقاد بسيط، بل هي انعكاس لأزمة وعي ومعرفة وهشاشة نفسية واجتماعية في بعض البيئات. ومواجهتها تتطلب خطابًا علميًا رصينًا، وتوعية دينية مسؤولة، وسياسات اجتماعية تحمي الأفراد من الاستغلال. فكل خرافة تنتشر في المجتمع تُضعف استقراره وتفتح الباب أمام الانتهازيين والمتلاعبين بمشاعر الناس وعقولهم.

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

ظاهرة :عزوف الشباب عن الزواج بالمغرب: دراسة سوسيولوجية في الأسباب والامتدادات والرهانات المستقبلية


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

يشهد المغرب خلال العقدين الأخيرين ارتفاعاً لافتاً في معدلات العزوف أو التأجيل المفرط للزواج لدى فئة الشباب، وهي ظاهرة معقدة تعكس تحولات اقتصادية وثقافية وقيمية عميقة داخل المجتمع المغربي. تتناول هذه الدراسة تحليل العوامل البنيوية المؤثرة في الظاهرة، إلى جانب انعكاساتها الديموغرافية والاجتماعية والنفسية، مع تقديم رؤية تفسيرية من منظور علم الاجتماع والنفس الاجتماعي، واقتراح تدخلات وسياسات عامة للحد من تفاقمها.

1. مقدمة ،: 

يمثل الزواج في البنية الاجتماعية المغربية مؤسسة مركزية في الإنتاج الرمزي والاجتماعي؛ إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تحولاً واضحاً في تمثلات الشباب للعلاقات العاطفية وللأسرة، بارتباط وثيق بتغيرات اقتصادية وثقافية وعالمية.

هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحوّلت إلى اتجاه سوسيولوجي عام يهدد التماسك الاجتماعي، ويعيد تشكيل بنية الأسرة المغربية، ويؤثر على الخصوبة، والهجرة، وأنماط العيش.

تطرح هذه الدراسة السؤال المركزي:

ما العوامل التي تدفع الشباب المغربي إلى العزوف عن الزواج؟ وما نتائج ذلك على البنية الاجتماعية؟ وكيف يمكن للمجتمع والدولة التعامل مع الظاهرة؟

2. الإطار النظري

تستند الدراسة إلى ثلاثة مقاربات تحليلية:

2.1 المقاربة البنيوية

ترى أن السلوك الفردي نتاج للظروف الاقتصادية، وفرص الشغل، والقدرة المادية، والسياسات العامة.

2.2 المقاربة الثقافية-القيمية

تربط الظاهرة بتحولات منظومة القيم والتمثلات حول الحب، الاستقلالية، والحرية الفردية.

2.3 مقاربة التحول الديموغرافي

تدرس أثر تأخر سن الزواج على الخصوبة، والشيخوخة، وأنماط الأسرة.

3. أسباب عزوف الشباب عن الزواج في المغرب

3.1 الأسباب الاقتصادية (السبب الأبرز)

1. البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، خاصة لدى الفئة العمرية 18–35 سنة.

2. ارتفاع تكاليف الزواج (مراسم، تجهيز سكن، تنقل، مهر...).

3. محدودية القدرة على توفير سكن مستقل، مع غلاء أسعار العقار والكراء.

4. ضعف الاستقرار المهني الناجم عن العمل الهش (freelance، عقود محدودة، الاقتصاد غير المهيكل).

> إن العجز الاقتصادي يخلق شعوراً بالعجز الاجتماعي، ويقود إلى تأجيل الزواج باعتباره التزاماً طويل المدى يحتاج إلى ضمانات مادية قوية.

3.2 الأسباب الاجتماعية والثقافية

1. تغير صورة الزواج من كونه استقراراً وبناءً إلى كونه عبئاً ومسؤوليات.

2. هيمنة نمط الحياة الفردانية، وارتفاع النزعة نحو الاستقلال الشخصي.

3. انفتاح الشباب على نماذج حياة جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

4. تطور أدوار المرأة وتزايد تطلعاتها المهنية والتعليمية، مما يغيّر موازين الاختيار.

5. تراجع سلطة العائلة في فرض الزواج أو تسريعه، كما كان سابقاً.

3.3 الأسباب النفسية

1. الخوف من الفشل في العلاقة الزوجية بسبب ارتفاع نسب الطلاق.

2. تزايد الضغط النفسي والمعيشي الذي يجعل الشباب يفضلون تأجيل الالتزامات .

3. صعوبة بناء الثقة بين الجنسين في ظل تأثير مواقع التواصل على العلاقات.

3.4 الأسباب المتعلقة بالتحولات الجندرية

1. اختلاف توقعات كل طرف عن الآخر (دور الرجل، دور المرأة).

2. تصادم بين النموذج التقليدي والنموذج المعاصر للعلاقة.

3. ارتفاع سقف الطلبات المتبادلة، سواء مادياً أو قيمياً.

3.5 التحولات الرقمية

1. البدائل الرقمية للعلاقات الاجتماعية (تطبيقات المواعدة).

2. المقارنة المستمرة التي يولدها الفضاء الرقمي بين الشباب، مما يرفع سقف التوقعات.

3. انتشار ظاهرة العلاقات العابرة أو غير الرسمية، ما يؤثر على التفكير في الزواج.

4. الآثار الاجتماعية والديموغرافية للعزوف عن الزواج

4.1 الآثار الديموغرافية

1. انخفاض معدل الخصوبة، واقتراب المغرب من عتبة شيخوخة سكانية خلال العقود القادمة.

2. تقلص حجم الأسرة وارتفاع عدد الأفراد غير المتزوجين.

4.2 الآثار الاجتماعية

1. تصاعد مشاعر الوحدة والعزلة لدى بعض فئات الشباب.

2. ارتفاع الطلب على نمط «العيش الفردي».

3. اهتزاز منظومة التكافل الأسري التقليدية.

4.3 الآثار الاقتصادية

1. انخفاض الاستهلاك المرتبط بالأسرة (سكن، تجهيز، تعليم).

2. تغير سوق العمل نتيجة تأخر ولوج الشباب للاستقرار الأسري.

5. منهجية بحثية مقترحة

5.1 تصميم البحث

دراسة مختلطة (Mixed Methods) تجمع بين:

المنهج الوصفي التحليلي

المقاربة الكمية عبر استبيان

المقاربة النوعية عبر مقابلات معمقة

5.2 عينة الدراسة

شباب: 18–35 سنة

مجالات حضرية وقروية

مستويات تعليمية مختلفة

5.3 أدوات البحث

1. استبيان لقياس:

نية الزواج

الأسباب الاقتصادية

التمثلات الثقافية

القدرة الذاتية على تحمل المسؤولية

2. مقابلات مع:

شباب من الجنسين

خبراء اجتماعيين

جمعيات أسرية

6. توصيات عملية وسياسات عمومية مقترحة

6.1 سياسات اقتصادية

1. تحفيز التشغيل عبر دعم المقاولات الصغرى للشباب.

2. إطلاق قروض زواج وسكن بشروط ميسرة.

3. توفير سكن اقتصادي مخصص للشباب المقبلين على الزواج.

6.2 سياسات اجتماعية

1. حملات وطنية لإعادة الثقة في مؤسسة الزواج.

2. مراكز تأهيل للمقبلين على الزواج لتدريبهم على المهارات الزوجية.

3. إشراك الإعلام في تصحيح صورة الزواج.

6.3 سياسات تعليمية وثقافية

1. إدراج التربية الأسرية في المناهج الدراسية.

2. تعزيز دور الأسرة في مواكبة شبابها نفسياً واجتماعياً.

6.4 دور المجتمع المدني

إطلاق مبادرات “تمكين الشباب”

برامج مصاحبة نفسية

ورشات تواصل وتدريب على مهارات الحياة الزوجية

7. خاتمة : 

إن ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج في المغرب ليست نتاج عامل واحد، بل هي حصيلة بنية اجتماعية واقتصادية وثقافية تتغير بشكل متسارع.

ومع أن الظاهرة تحمل بعداً عالمياً، إلا أن خصوصية المجتمع المغربي تفرض معالجات وطنية شمولية، تقوم على:

تعزيز الاستقرار الاقتصادي

ترميم الثقة بين الجنسين

دعم الاستقلال السكني

مرافقة الشباب تربوياً ونفسياً

إن مستقبل الأسرة المغربية، ومعدل الخصوبة، والتماسك الاجتماعي، كلها رهينة بمدى قدرة الدولة والمجتمع على التعامل العميق والواقعي مع هذه الظاهرة.

كلمة المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الفساد: دعوة إلى ترسيخ النزاهة وتعزيز الشفافية

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
يُعدّ الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، لما له من آثار مدمّرة على التنمية المستدامة، وسيادة القانون، وثقة المواطنين في المؤسسات. ومن هذا المنطلق، خصصت الأمم المتحدة يوم 9 دجنبر من كل عام ليكون اليوم العالمي لمحاربة الفساد، من أجل تعزيز الوعي بخطورته، وتشجيع الدول والأفراد والمؤسسات على اتخاذ خطوات عملية لمكافحته.
أولاً: مفهوم الفساد وأشكاله
الفساد هو إساءة استعمال السلطة لتحقيق منفعة شخصية، ويتخذ أشكالاً متعددة، من أبرزها:
الرشوة
اختلاس المال العام
المحسوبية والزبونية
تزوير الوثائق والعقود
استغلال المنصب
وتُجمع التقارير الدولية على أن الفساد ليس مجرد تجاوز قانوني، بل هو منظومة سلوكية وثقافية تتغذى من غياب الرقابة والشفافية وضعف الحكامة.
ثانياً: تأثير الفساد على الدولة والمجتمع
يؤثر الفساد بشكل مباشر في جميع قطاعات الحياة، من أهمها:
1. التنمية الاقتصادية: يعرقل الاستثمار ويهدر الموارد.
2. العدالة الاجتماعية: يوسع الهوة بين الفئات ويُفقر المجتمع.
3. الديمقراطية والحكم الرشيد: يضعف الثقة في المؤسسات ويقوّض سيادة القانون.
4. الخدمات العمومية: يفسد قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم.
ثالثاً: محاربة الفساد مسؤولية جماعية
إن مواجهة الفساد ليست مسؤولية الحكومات فحسب، بل هي مسؤولية مشتركة بين:
المؤسسات الرسمية عبر سن القوانين وتفعيل الرقابة.
الإعلام في كشف الاختلالات وتنوير الرأي العام.
المجتمع المدني في تعزيز ثقافة الشفافية.
المواطن باعتباره شريكًا أساسيًا في التبليغ ورفض ممارسات الفساد.
رابعاً: المغرب ومحاربة الفساد
تبنّى المغرب عدة إصلاحات لتعزيز النزاهة والحكامة:
إحداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات للحد من الاحتكاك المباشر مع المواطن.
تعزيز الحق في الحصول على المعلومات.
إصلاح المنظومة المالية والقانونية.
ورغم الجهود المبذولة، يبقى التحدي الحقيقي هو ترسيخ ثقافة النزاهة كممارسة يومية، وتحويل الوعي إلى سلوك مواطن مسؤول.
خامساً: نحو رؤية مستقبلية لمحاربة الفساد
لتحقيق مجتمع نزيه ومتقدم، يجب التركيز على:
التربية على قيم الشفافية منذ الطفولة.
تقوية مؤسسات الرقابة والمحاسبة.
ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم.
تشجيع الصحافة الاستقصائية.
التحول الرقمي الشامل للخدمات العمومية.
خاتمة : 
إن اليوم العالمي لمحاربة الفساد ليس مجرد مناسبة سنوية، بل هو تذكير بأن المعركة ضد الفساد مستمرة وتستلزم وعيًا جماعيًا وإرادة سياسية قوية وتعاونًا بين جميع مكونات المجتمع. فمحاربة الفساد ليست خيارًا، بل ضرورة لبناء دولة قوية، عادلة، وديمقراطية، تُصان فيها حقوق المواطنين وتتقوى فيها ثقة المجتمع في مؤسساته.

الأحد، 7 ديسمبر 2025

كلمة : خليفة مزضوضي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية 2025


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي ...!!!

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

يسعدني في هذا اليوم المبارك أن نحتفي جميعاً باليوم العالمي للغة العربية؛ هذا اليوم الذي نُجدد فيه العهد مع لغةٍ ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء حضاري حمل عبر القرون أعظم العلوم، واحتضن أرقى القيم، وشكَّل وجدان أمةٍ تمتد جذورها في أعماق التاريخ.

إن اللغة العربية ليست ملكاً للعرب وحدهم، بل هي ملك للإنسانية، لأنها قدّمت للعالم تراثاً فكرياً وعلمياً وروحياً أسهم في بناء الحضارة الإنسانية. واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية المتسارعة، نرى أن العربية قادرة ـ كما كانت دائماً ـ على التكيّف، والتجدد، والانفتاح، شريطة أن نمنحها ما تستحق من عناية، وأن نستثمر في تعليمها، ورقمنتها، وتوسيع حضورها في الفضاء الرقمي العالمي.

إن الاحتفاء بهذا اليوم ليس مجرد طقس ثقافي، بل دعوة للتأمل والمسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على لغتنا، وتطوير مناهجها، وتحبيبها للأجيال الصاعدة، حتى تبقى لغة معرفة، وإبداع، وفكر حيّ، وليست مجرد ذكرى تاريخية.

وفي هذا السياق، نؤكد جميعاً أن اللغة العربية كانت وستظل لغة السلام، ولغة الحوار، ولغة التعايش؛ فهي لغة القرآن التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، ولغة الشعر التي تُهذّب الوجدان، ولغة الفلسفة والعقل التي أضاءت العالم يوماً بنور المعرفة.

وفي ختام هذه الكلمة، أجدد الدعوة إلى تعزيز المبادرات الرامية إلى خدمة العربية، وإلى دعم البحث العلمي المرتبط بها، وإلى تشجيع الإبداع الأدبي والفني الذي يعيد لهذه اللغة بريقها في قلوب الناشئة.

نسأل الله أن يبارك في جهود كل من يسهر على خدمة هذه اللغة الشامخة، وأن يجعل العربية جسراً للتواصل والمحبة والتعايش بين الأمم والشعوب.

وكل عام ولغتنا بخير.



بحث أكاديمي حول: علم المقاصد في الشريعة الإسلامية – المفهوم، النشأة، والتطبيقات المعاصرة (1)

 


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات  والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة : 

يُعدّ علم المقاصد أحد أهم العلوم المؤسِّسة للفكر الأصولي والفقهي في الحضارة الإسلامية، فهو العلم الذي يهدف إلى الكشف عن الغايات الكبرى والأهداف العميقة التي بُنيت عليها التشريعات. ومع تطور المجتمعات وتشابك القضايا المعاصرة، ازداد الاهتمام بهذا العلم لما يقدمه من أدوات تساعد على تحقيق الفقه الملائم للواقع مع الحفاظ على ثوابت الشريعة.

أولاً: مفهوم علم المقاصد

1. التعريف اللغوي : 

المقاصد جمع مقصد، وهو ما يُقصد إليه ويُراد تحقيقه.

2. التعريف الاصطلاحي : 

هو "العلم الذي يبحث في الحِكَم والغايات التي شرعها الله لتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم".

3. مكوّنات علم المقاصد

المصلحة: جلب المنافع.

المفسدة: دفع الضرر.

الضرورة والحاجة والتحسين: مراتب المقاصد الثلاث .

ثانياً: نشأة علم المقاصد وتطوره

1. في القرآن والسنة

القرآن مليء بتعليل الأحكام، مثل قوله تعالى: «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (مقصد العدل).

السنة النبوية قدّمت نماذج مقاصدية مثل قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار".

2. عند الصحابة والتابعين

مارسوا فهماً مقاصدياً دون تدوين، مثل:

اجتهاد عمر رضي الله عنه في منع سهم المؤلفة قلوبهم لتحقيق مقصد أقوى.

3. مرحلة التأسيس والتدوين

الإمام الشافعي وضع أساس النظر الأصولي.

إمام الحرمين الجويني تحدّث عن "المصالح".

الإمام الغزالي وضع الضروريات الخمس.

ابن تيمية وابن القيم ركّزا على تحقيق مقاصد العدل والرحمة.

الإمام الشاطبي في الموافقات قدّم النظرية الأكثر نضجاً، مؤسساً علم المقاصد كعلم مستقل.

4. عصر النهضة والفقه المعاصر

أعاد العلماء المعاصرون إحياءه مثل: الطاهر ابن عاشور، الريسوني، القرضاوي، بن بيّه، لتعميق دور المقاصد في الاجتهاد المعاصر.

ثالثاً: أنواع المقاصد

1. المقاصد العامة

وهي الضروريات الخمس:

حفظ الدين

حفظ النفس

حفظ العقل

حفظ النسل

حفظ المال

2. المقاصد الخاصة

مقاصد مرتبطة بباب معين من أبواب الفقه:

مثل مقاصد الأسرة، مقاصد المعاملات، مقاصد الحدود…

3. المقاصد الجزئية

هي الحِكَم الخاصة بكل حكم، مثل:

تحريم الربا ⇒ منع الاستغلال.

فرض الحجاب ⇒ صيانة الكرامة.

رابعاً: علاقة المقاصد بالمصلحة

المصلحة محور أساسي في علم المقاصد، وهي تنقسم إلى:

مصلحة معتبرة: شهد لها الشرع.

مصلحة مرسلة: لم يشهد لها الشرع نصاً لكن توافق قواعده.

مصلحة ملغاة: تعارض الشرع.

علم المقاصد هو الذي يحدد ما إذا كانت المصلحة معتبرة أم لا، وفق قواعد الانضباط الشرعي.

خامساً: ضوابط العمل بالمقاصد

حتى لا يتحول المقاصد إلى باب للتسيّب، وضع العلماء عدة ضوابط منها:

1. عدم إلغاء النصوص القطعية.

2. أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية.

3. أن تكون عامة لا خاصة بنفس صاحب الفتوى.

4. أن تتوافق مع مقاصد الشريعة الكلية.

5. ترجيح مصلحة راجحة على مفسدة أعظم.

سادساً: تطبيقات المقاصد في القضايا المعاصرة

1. قضايا الأسرة

تشجيع الصلح والتحكيم قبل الطلاق ⇒ تحقيق مقصد حفظ الأسرة.

تجريم العنف الأسري ⇒ حفظ النفس والكرامة الإنسانية.

2. الاقتصاد والمعاملات

تنظيم البنوك التشاركية ⇒ تحقيق مقصد العدل المالي.

محاربة الاحتكار ⇒ حفظ المال ومنع الفساد الاقتصادي.

3. المجال الطبي

جواز نقل الأعضاء بشروط ⇒ حفظ النفس.

جواز التداوي بالمحرم عند الضرورة ⇒ مراعاة المقاصد والضرورات.

4. الحكم والسياسة

ترسيخ الشفافية والعدل ⇒ مقصد إقامة القسط.

حفظ الاستقرار الاجتماعي ⇒ مقصد حفظ النظام العام.

5. البيئة والتنمية

منع الإفساد البيئي ⇒ مقصد عمارة الأرض.

تشجيع الطاقات المتجددة ⇒ حفظ الثروات للأجيال القادمة.

سابعاً: أهمية علم المقاصد في الاجتهاد المعاصر

1. يربط بين النصوص ومقاصدها الكبرى.

2. يساعد على إيجاد حلول للقضايا الجديدة.

3. يوفر رؤية متوازنة بين الثوابت ومتطلبات العصر.

4. يحقق العدالة والرحمة كأساسين للتشريع.

5. يُسهم في تجديد الخطاب الديني.

خاتمة : 

علم المقاصد ليس مجرد تنظير، بل هو روح الشريعة التي تجعل الأحكام الإسلامية متّسقة مع مصالح الإنسان وكرامته. وفي ظل التحولات الاجتماعية والقانونية والتكنولوجية المتسارعة، يظل هذا العلم أداة مركزية لضبط عملية الاجتهاد، وتحقيق الفقه القادر على مواكب العصر دون التفريط في ثوابت الدين.