بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .
فيما يلي موضوع أكاديمي شامل يجمع بين التحليل السوسيولوجي والنفسي والثقافي حول السؤالين معًا:
لماذا أصبحت المرأة المغربية أكثر جرأة وأقل حياء (ظاهريًا)؟
ولماذا تتنامى ظاهرة ضعف الشخصية عند الشباب الذكور؟
1. مقدمة :
شهد المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين سلسلة تحولات بنيوية أثرت في منظومة القيم والأدوار الاجتماعية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمرأة والرجل. فقد برزت المرأة المغربية أكثر حضوراً وجرأة في التعبير عن رأيها، وبرز في المقابل تراجع واضح في المبادرة وقوة الشخصية لدى بعض فئات الشباب الذكور. هذه الظواهر ليست منفصلة، بل مترابطة وتُقرأ ضمن سياق التغير الاجتماعي والرقمي والقيمي.
أولاً: جرأة المرأة المغربية وأسباب تغيّر تمثلات الحياء
1. التحولات التشريعية والمؤسساتية
إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 منح المرأة دوراً قانونياً أقوى.
صعود المرأة في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص جعلها أكثر استقلالاً اقتصادياً.
تعزيز حقوق المرأة في السياسة والمدرسة والإدارة أدى إلى تنمية وعي جديد بذاتها.
أثر ذلك:
لم يعد الحياء كما كان يُفهم تقليدياً شرطاً للسلوك الأنثوي، بل أصبح يُستبدل بفكرة الثقة بالنفس والجرأة في التعبير.
2. التأثير الإعلامي والرقمي
انتشار شبكات التواصل الاجتماعي قدّم نماذج نسائية أكثر جرأة في اللباس، الخطاب، والتعبير عن الذات.
المحتوى الموجّه للشابات يؤكد على الحرية الفردية، قوة الشخصية، الدفاع عن الحقوق، ومواجهة الصور النمطية.
التحول نحو ثقافة الاستعراض (Culture de l’apparence) أضعف السلطة الأخلاقية التقليدية.
أثر ذلك:
تجاوزت الفتيات الحواجز الاجتماعية التي كانت تفرض نوعاً من الانضباط والحياء التقليدي.
3. تراجع المؤسسة الأسرية التقليدية
ضعف الرقابة الأسرية نتيجة خروج الوالدين للعمل وتغيّر نمط العيش.
صعود مفهوم “التربية الناعمة” التي تعتمد التشجيع بدل الضبط.
تراجع الدور الأخلاقي للجماعة وارتفاع الفردانية (Individualisme).
النتيجة:
تحرر أكبر للسلوك النسائي مقارنة بالماضي.
4. التحولات الاقتصادية
المرأة اليوم تدرس، تعمل، تسافر، وتُعيل أسرتها أحياناً.
الاستقلال المالي يمنح جرأة مضاعفة في اتخاذ القرار ومواجهة الانتقاد.
5. التحولات النفسية
ارتفاع الوعي بالحقوق الذاتية وتعزيز حضور المرأة في الفضاء العام.
تطور مفهوم “الحياء” من خجل وانطواء إلى حياء سلوكي متوازن لا يمنع التعبير عن الذات.
ثانياً: لماذا أصبح ضعف الشخصية يتنامى بين الشباب الذكور؟
1. أزمة النموذج الذكوري التقليدي
الصورة القديمة للرجل: القائد، المعيل، الحامي.
هذه الأدوار اهتزت مع ارتفاع مشاركة المرأة في العمل والتعليم.
الشاب اليوم يعيش حيرة الدور (Rôle ambiguity) ولا يعرف ما هو متوقع منه.
النتيجة:
ضعف الثقة بالنفس، وشعور بعدم الفاعلية.
2. التربية الأسرية الحديثة
الإفراط في حماية الأبناء الذكور (hyperprotection).
غياب التوجيه الصارم والبنائية التربوية.
التربية المرفّهة التي لا تعوّد الطفل على مواجهة الصعاب.
أثر ذلك:
ظهور جيل هشّ، سريع الانكسار، قليل الصبر.
3. هيمنة العالم الرقمي
الإدمان على الألعاب الإلكترونية، المحتوى السطحي، والمقاولات الرقمية السهلة.
ضعف التواصل الاجتماعي الحقيقي.
مقارنة النفس بالآخرين باستمرار في "السوشيال ميديا".
هذه العناصر تُنتج
شخصية مترددة، قلقة، ومصابة بالضغط النفسي.
4. الأزمة الاقتصادية وصعوبة الاندماج
ارتفاع البطالة بين الشباب.
هشاشة سوق الشغل.
تأخر سن الزواج.
ضعف القدرة الشرائية.
النتيجة:
الشاب يفقد إحساسه بالدور الاجتماعي، مما يولّد ضعفاً في شخصيته وثقته بنفسه.
5. غياب القدوة الذكورية
تضاؤل حضور الأب داخل الأسرة.
ضعف الأدوار التربوية للمدرسة.
تراجع جاذبية الشخصيات النموذجية في المجتمع (علماء، مفكرون، مربون…).
6. الضغط النفسي وعدم وجود دعم نفسي
ارتفاع القلق والاكتئاب لدى الشباب.
غياب التربية النفسية في المدرسة.
غياب فضاءات التعبير عن الذات.
ثالثاً: العلاقة التفاعلية بين الظاهرتين
المرأة أصبحت أكثر جرأة لأنها حققت تقدماً في أدوارها، بينما الرجل فقد بعض امتيازاته التقليدية دون أن يحصل على بديل حديث واضح.
هذا ما يسميه علماء الاجتماع:
اختلال التوازن في الأدوار الاجتماعية (Déséquilibre des rôles sociaux).
فكلما تقدمت المرأة بقوة أسرع من استعداد المجتمع لتقبّل ذلك،
كلما ظهر لدى الشباب الذكور ارتباك، ضعف شخصية، أو انسحاب اجتماعي.
رابعاً: حلول ومقترحات
1. إعادة بناء التربية الأسرية على أساس المسؤولية لا السيطرة
تعويد الأبناء على اتخاذ القرار وتحمل النتائج.
2. تعزيز التربية النفسية في المدارس
تدريس مهارات:
الثقة بالنفس
ضبط الذات
التواصل
حل المشكلات
3. إعادة تعريف الرجولة (Masculinity Positive)
الرجولة ليست قسوة ولا سلطة، بل:
احترام
مسؤولية
استقامة
قيادة إيجابية
4. توفير دعم نفسي للشباب
ورشات، فضاءات إنصات، تكوينات في المهارات الحياتية.
5. توجيه الإعلام نحو نماذج متوازنة
تقديم صور إيجابية للرجل والمرأة بعيداً عن المبالغة والتطرف.
خاتمة :
إن جرأة المرأة المغربية وتراجع ثقة بعض الشباب بأنفسهم ليستا ظاهرتين منعزلتين، بل هما نتيجة لتغيرات عميقة في البنية الاجتماعية والقيم والثقافة الرقمية. معالجة الظاهرتين تحتاج إلى رؤية تربوية جديدة وإعادة بناء مفهوم الدور الاجتماعي للرجل والمرأة بشكل متوازن وعقلاني يتماشى مع العصر ويحافظ على القيم.






















