السبت، 29 نوفمبر 2025

تحليل سوسيولوجي ثقافي نفسي حول ضعف الشخصية عند الشباب والمرأة اكثر جرأة وأقل حياء


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .

فيما يلي موضوع أكاديمي شامل يجمع بين التحليل السوسيولوجي والنفسي والثقافي حول السؤالين معًا:

لماذا أصبحت المرأة المغربية أكثر جرأة وأقل حياء (ظاهريًا)؟

ولماذا تتنامى ظاهرة ضعف الشخصية عند الشباب الذكور؟

1. مقدمة : 

شهد المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين سلسلة تحولات بنيوية أثرت في منظومة القيم والأدوار الاجتماعية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمرأة والرجل. فقد برزت المرأة المغربية أكثر حضوراً وجرأة في التعبير عن رأيها، وبرز في المقابل تراجع واضح في المبادرة وقوة الشخصية لدى بعض فئات الشباب الذكور. هذه الظواهر ليست منفصلة، بل مترابطة وتُقرأ ضمن سياق التغير الاجتماعي والرقمي والقيمي.

أولاً: جرأة المرأة المغربية وأسباب تغيّر تمثلات الحياء

1. التحولات التشريعية والمؤسساتية

إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 منح المرأة دوراً قانونياً أقوى.

صعود المرأة في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص جعلها أكثر استقلالاً اقتصادياً.

تعزيز حقوق المرأة في السياسة والمدرسة والإدارة أدى إلى تنمية وعي جديد بذاتها.

أثر ذلك:

لم يعد الحياء كما كان يُفهم تقليدياً شرطاً للسلوك الأنثوي، بل أصبح يُستبدل بفكرة الثقة بالنفس والجرأة في التعبير.

2. التأثير الإعلامي والرقمي

انتشار شبكات التواصل الاجتماعي قدّم نماذج نسائية أكثر جرأة في اللباس، الخطاب، والتعبير عن الذات.

المحتوى الموجّه للشابات يؤكد على الحرية الفردية، قوة الشخصية، الدفاع عن الحقوق، ومواجهة الصور النمطية.

التحول نحو ثقافة الاستعراض (Culture de l’apparence) أضعف السلطة الأخلاقية التقليدية.

أثر ذلك:

تجاوزت الفتيات الحواجز الاجتماعية التي كانت تفرض نوعاً من الانضباط والحياء التقليدي.

3. تراجع المؤسسة الأسرية التقليدية

ضعف الرقابة الأسرية نتيجة خروج الوالدين للعمل وتغيّر نمط العيش.

صعود مفهوم “التربية الناعمة” التي تعتمد التشجيع بدل الضبط.

تراجع الدور الأخلاقي للجماعة وارتفاع الفردانية (Individualisme).

النتيجة:

تحرر أكبر للسلوك النسائي مقارنة بالماضي.

4. التحولات الاقتصادية

المرأة اليوم تدرس، تعمل، تسافر، وتُعيل أسرتها أحياناً.

الاستقلال المالي يمنح جرأة مضاعفة في اتخاذ القرار ومواجهة الانتقاد.

5. التحولات النفسية

ارتفاع الوعي بالحقوق الذاتية وتعزيز حضور المرأة في الفضاء العام.

تطور مفهوم “الحياء” من خجل وانطواء إلى حياء سلوكي متوازن لا يمنع التعبير عن الذات.

ثانياً: لماذا أصبح ضعف الشخصية يتنامى بين الشباب الذكور؟

1. أزمة النموذج الذكوري التقليدي

الصورة القديمة للرجل: القائد، المعيل، الحامي.

هذه الأدوار اهتزت مع ارتفاع مشاركة المرأة في العمل والتعليم.

الشاب اليوم يعيش حيرة الدور (Rôle ambiguity) ولا يعرف ما هو متوقع منه.

النتيجة:

ضعف الثقة بالنفس، وشعور بعدم الفاعلية.

2. التربية الأسرية الحديثة

الإفراط في حماية الأبناء الذكور (hyperprotection).

غياب التوجيه الصارم والبنائية التربوية.

التربية المرفّهة التي لا تعوّد الطفل على مواجهة الصعاب.

أثر ذلك:

ظهور جيل هشّ، سريع الانكسار، قليل الصبر.

3. هيمنة العالم الرقمي

الإدمان على الألعاب الإلكترونية، المحتوى السطحي، والمقاولات الرقمية السهلة.

ضعف التواصل الاجتماعي الحقيقي.

مقارنة النفس بالآخرين باستمرار في "السوشيال ميديا".

هذه العناصر تُنتج

شخصية مترددة، قلقة، ومصابة بالضغط النفسي.

4. الأزمة الاقتصادية وصعوبة الاندماج

ارتفاع البطالة بين الشباب.

هشاشة سوق الشغل.

تأخر سن الزواج.

ضعف القدرة الشرائية.

النتيجة: 

الشاب يفقد إحساسه بالدور الاجتماعي، مما يولّد ضعفاً في شخصيته وثقته بنفسه.

5. غياب القدوة الذكورية

تضاؤل حضور الأب داخل الأسرة.

ضعف الأدوار التربوية للمدرسة.

تراجع جاذبية الشخصيات النموذجية في المجتمع (علماء، مفكرون، مربون…).

6. الضغط النفسي وعدم وجود دعم نفسي

ارتفاع القلق والاكتئاب لدى الشباب.

غياب التربية النفسية في المدرسة.

غياب فضاءات التعبير عن الذات.

ثالثاً: العلاقة التفاعلية بين الظاهرتين

المرأة أصبحت أكثر جرأة لأنها حققت تقدماً في أدوارها، بينما الرجل فقد بعض امتيازاته التقليدية دون أن يحصل على بديل حديث واضح.

هذا ما يسميه علماء الاجتماع:

اختلال التوازن في الأدوار الاجتماعية (Déséquilibre des rôles sociaux).

فكلما تقدمت المرأة بقوة أسرع من استعداد المجتمع لتقبّل ذلك،

كلما ظهر لدى الشباب الذكور ارتباك، ضعف شخصية، أو انسحاب اجتماعي.

رابعاً: حلول ومقترحات

1. إعادة بناء التربية الأسرية على أساس المسؤولية لا السيطرة

تعويد الأبناء على اتخاذ القرار وتحمل النتائج.

2. تعزيز التربية النفسية في المدارس

تدريس مهارات:

الثقة بالنفس

ضبط الذات

التواصل

حل المشكلات

3. إعادة تعريف الرجولة (Masculinity Positive)

الرجولة ليست قسوة ولا سلطة، بل:

احترام

مسؤولية

استقامة

قيادة إيجابية

4. توفير دعم نفسي للشباب

ورشات، فضاءات إنصات، تكوينات في المهارات الحياتية.

5. توجيه الإعلام نحو نماذج متوازنة

تقديم صور إيجابية للرجل والمرأة بعيداً عن المبالغة والتطرف.

خاتمة : 

إن جرأة المرأة المغربية وتراجع ثقة بعض الشباب بأنفسهم ليستا ظاهرتين منعزلتين، بل هما نتيجة لتغيرات عميقة في البنية الاجتماعية والقيم والثقافة الرقمية. معالجة الظاهرتين تحتاج إلى رؤية تربوية جديدة وإعادة بناء مفهوم الدور الاجتماعي للرجل والمرأة بشكل متوازن وعقلاني يتماشى مع العصر ويحافظ على القيم.

.**لماذا أصبحت المرأة المغربية أكثر جرأة من الرجل وأقل حياء

 


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس  مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي....!!!!

مقاربة سوسيولوجية نفسية لرهانات التحول القيمي بالمجتمع المغربي**

مقدمة : 

شهد المجتمع المغربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحوّلات بنيوية عميقة مست جوانب متعددة من البنية الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. ومن بين أبرز التحولات التي أثارت نقاشًا واسعًا: تنامي جرأة المرأة المغربية في التعبير، واتخاذ القرار، والمشاركة في الفضاء العام، مقابل تراجع واضح في جرأة الرجل وتزايد مظاهر الارتباك الهوياتي لديه. هذا الواقع دفع العديد من الباحثين إلى التساؤل حول مدى ارتباط هذه الظاهرة بتغير منظومة القيم، أو بتأثير العولمة الرقمية، أو بتحولات الأدوار التقليدية للجنسين.

1. التحولات القيمية والبنائية في المجتمع المغربي

عرف المغرب انتقالًا سريعًا من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع حضري مفتوح على أنماط جديدة من العيش. ومع هذا الانتقال، تراجعت مجموعة من القيم التي كانت تضبط السلوك الاجتماعي، خاصة قيم «الحياء» و«الستر» و«الطاعة» في علاقتها بالمرأة.

أهم التحولات المؤثرة:

توسع التعليم لدى الفتيات وارتفاع معدلات ولوجهن إلى الجامعة.

صعود الطبقة الوسطى النسائية واندماج المرأة بسوق الشغل.

بروز خطاب حقوقي قوي يدافع عن مساواة النوع الاجتماعي.

ضعف تأثير مؤسسات الضبط الاجتماعي التقليدية (الأسرة، المسجد، القبيلة...).

2. الثورة الرقمية كفضاء لإعادة تشكيل الشخصية

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مجالًا يسمح للمرأة بالتعبير بحرية، وإعادة بناء صورتها الاجتماعية بعيدًا عن السلطة التقليدية للعائلة والمجتمع.

كيف عززت الرقمنة جرأة المرأة؟

منحها منصة للتعبير دون رقابة مباشرة.

خلق نماذج نسائية مؤثرة وجرئية (influencers).

إعادة تعريف مفهوم الحياء باعتباره «قيمة فردية» لا «اجتماعية إلزامية».

اكتساب مهارات التواصل والظهور، ما جعلها أكثر ثقة بنفسها.

في المقابل، تراجع الرجل في الفضاء الرقمي بسبب:

الخوف من الانتقاد.

ضعف مهارات التعبير مقارنة بأجيال نسائية متمرسة في الخطاب الرقمي.

فقدان الامتيازات الرمزية التي كانت له داخل البنية التقليدية.

3. التحولات الاقتصادية ودورها في قلب ميزان القوة الرمزية

المرأة المغربية اليوم أصبحت فاعلًا اقتصاديًا مهمًا:

تعمل وتساهم ماديًا في الأسرة.

تدير مشاريع، وتتقلد مناصب قيادية.

تتمتع باستقلال مالي يمنحها ثقة أكبر وحرية أكبر في اتخاذ القرار.

هذه الاستقلالية خلقت نوعًا من القوة الرمزية التي لم تكن متاحة سابقًا، وأثرت على طريقة حضورها في المجال العام.

4. أزمة الهوية الذكورية وضعف الأدوار التقليدية للرجل

يشير العديد من الباحثين إلى أن الرجل المغربي يعيش ارتباكًا هوياتيًا نتيجة:

ارتفاع البطالة في صفوف الشباب.

ضعف قدرته على لعب دور «المعيل» التقليدي.

الضغط الاقتصادي والاجتماعي.

مقارنة نفسه بالنموذج النسوي الصاعد والواثق.

هذا الارتباك جعل الكثير من الرجال أقل جرأة، وأكثر حذرًا وخوفًا من نقد المجتمع.

5. التغير في مفهوم الحياء: من قيمة اجتماعية إلى قيمة فردية

لم يعد الحياء معيارًا ثابتًا أو محددًا خارجيًا كما كان سابقًا، بل أصبح:

قيمة شخصية تعتمد على رؤية الفرد لذاته.

مرتبطًا بالسياق وليس بنوع الجنس.

يقلّ تأثيره كلما زاد الاندماج في العوالم الرقمية والحداثية.

بالنسبة للمرأة المغربية الجديدة:

الحياء لم يعد منعًا، بل اختيارًا فرديًا، بينما الجرأة أصبحت مرتبطة بالقدرة على التعبير والدفاع عن الذات.

6. الإعلام وصناعة صورة المرأة الجريئة

ساهم الإعلام الوطني والدولي في تكريس صورة المرأة الجريئة من خلال:

المسلسلات والبرامج الاجتماعية.

المشاهير والمؤثرات.

الخطاب الحقوقي والإشهارات التجارية.

وقد أنتج هذا صورة جديدة للمرأة "الفاعلة" بدل صورة المرأة "المطيعة".

خلاصة : 

إن جرأة المرأة المغربية اليوم ليست انحلالاً أخلاقيًا، كما يرى بعض الخطابات المحافظة، وليست أيضًا تمردًا غير واعٍ، بل هي نتيجة مباشرة لتغيرات عميقة في بنية المجتمع، ولتطور أدوار النوع الاجتماعي داخل سياقات اقتصادية ورقمية سريعة.

في المقابل، فإن تراجع جرأة الرجل هو عرضٌ لأزمة أعمق تتعلق بالتحولات الاقتصادية والرمزية والثقافية التي أعادت تشكيل الأدوار التقليدية.

وبذلك، يمكن القول إن ما نعيشه ليس «فقدان حياء»، بل تحولاً في معايير الحياء والجرأة داخل مجتمع يتحرك بسرعة نحو الحداثة الرقمية والاجتماعية.

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

ظاهرة البودكاست عند الشباب المغربي ( مقاربة سوسيو قافية تربوية)

 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس ، منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش آسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي....!!!!
1. المقدمة : 
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للبودكاست في المغرب، ليصبح أحد أبرز الوسائط الرقمية التي يستثمرها الشباب للتعبير، وتبادل المعرفة، وصناعة المحتوى. ويعود هذا الانتشار إلى توفر الهواتف الذكية، وتحسن خدمات الإنترنت، وتطور منصّات بثّ المحتوى مثل "Spotify" و"Apple Podcasts" و"يوتيوب"، إضافة إلى تحولات عميقة يشهدها الفضاء الإعلامي المغربي نحو الرقمية.
2. تعريف البودكاست
البودكاست هو محتوى صوتي أو مرئي يتم تسجيله ونشره عبر منصّات رقمية، ويُستهلك عادةً حسب الطلب On Demand. يتميز بسهولة الإنتاج، وانخفاض التكلفة، وحرية التعبير، مما جعله أداة رئيسية في الإعلام البديل. 
3. أسباب انتشار البودكاست عند الشباب المغربي .
أولاً: التحولات الرقمية .
انتشار الهواتف الذكية بأسعار مناسبة.
تحسن صبيب الإنترنت والولوج السهل للمنصات الرقمية.
ثانيًا: الحاجة إلى بدائل إعلامية
سعي الشباب إلى محتوى يتجاوز الإعلام التقليدي.
رغبتهم في الاستماع إلى تجارب حقيقية وآراء غير رسمية.
ثالثًا: سهولة إنتاج المحتوى
المعدات البسيطة (هاتف – ميكروفون – برامج مجانية).
إمكانية التسجيل في المنزل دون استوديو احترافي.
رابعًا: البحث عن الهوية والتعبير
البودكاست مساحة للتعبير عن الذات بجرأة.
وسيلة لمناقشة مواضيع حساسة أو مهمشة مثل: الصحة النفسية، العلاقات، قضايا التعليم، ريادة الأعمال…
4. أنواع البودكاست المنتشرة عند الشباب المغربي
1. البودكاست الحواري (Talk Show)
يستضيف فيه الشاب شخصيات مؤثرة أو أصدقاء لمناقشة قضايا اجتماعية ويومية.
2. البودكاست التربوي والمعرفي
يقدم محتوى تعليمي: تطوير الذات، اللغات، العلوم، التاريخ، الثقافة المغربية.
3. البودكاست القصصي
سرد قصص واقعية أو خيالية بلهجة مغربية، وغالباً يجذب جمهورًا واسعًا.
4. بودكاست ريادة الأعمال
يهتم برواد المشاريع الناشئين، ويقدم تجارب شبابية ناجحة.
5. تأثير البودكاست على الشباب
التأثير الإيجابي
تعزيز الوعي الثقافي والفكري.
اكتساب مهارات التواصل والإلقاء.
نشر تجارب وقصص ملهمة.
دعم حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية.
التأثير السلبي
انتشار بعض المضامين السطحية أو غير الموثوقة.
تأثير "صنّاع المحتوى" على الرأي العام دون خبرة كافية.
تنافس غير صحي قد يسبب ضغطًا نفسيًا للمحتوىين. 
6. التحديات التي تواجه البودكاست المغربي .
غياب دعم مؤسسي أو منصّات إنتاج احترافية.
ضعف ثقافة الاستهلاك الصوتي بالمقارنة مع الفيديو.
محدودية فرص التمويل والإشهار.
المنافسة القوية مع محتوى عالمي ووطني .
7. آفاق تطور البودكاست في المغرب
إمكانية تحول البودكاست إلى قطاع إعلامي بديل معترف به.
دخول المؤسسات التعليمية والإعلامية في إنتاجه.
توسع سوق الإعلانات الرقمية الموجهة للمحتوى الصوتي.
بروز أسماء مغربية مؤثرة في العالم العربي بفضل البودكاست. 
8. الخاتمة : 
تُعد ظاهرة البودكاست عند الشباب المغربي انعكاسًا لتغيرات عميقة في الثقافة الرقمية والإعلام الجديد. فقد مكنتهم هذه الوسيلة من التعبير الحر، وخلق منصات بديلة للتعلم والنقاش والمشاركة. ورغم التحديات، يظل مستقبل البودكاست واعدًا في المغرب، خصوصًا مع تنامي الوعي بأهمية المحتوى الهادف والجيد.

الخميس، 27 نوفمبر 2025

هبة نجامي طفلة: تكتب رسالة : إليك أبي !!!


   

                                 القراء الكرام الصورة تعبيرية فقط 

 1

إِلَيْكَ أَبِي…

وَإِنْ لَمْ تَرَانِي يَوْمًا،

وَإِنْ غَابَ صَوْتُكَ عَنِّي،

فَإِنَّ قَلْبِي يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الحَقِيقَةِ…

وَيَقُولُ لِي دَوْمًا:

لَا يَتِيمَةَ مَعَ اللهِ.

أَبِي مُحَمَّدُ نَجَّامِي…

هَا أَنَا، الطِّفْلَةُ الَّتِي جِئْتَ لِلدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ تَرَانِي،

وَخَرَجْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَ بُكَائِي.

أَنَا الَّتِي تُرِكَتْ فِي بَطْنِ أُمِّي

تَتَعَلَّقُ بِحُلْمٍ أَبَوِيٍّ لَمْ يَكْتَمِلْ.

وُلِدْتُ…

وَكَبِرْتُ…

وَلَمْ يَكُنْ لِي فِي زَمَنِي صَوْتُكَ،

وَلَا ظِلُّكَ،

وَلَا يَدٌ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِي الصَّغِيرِ.

أُخْبِرُكَ الْيَوْمَ…

أَنَّنِي فِي القِسْمِ الثَّانِي الاِبْتِدَائِي،

أَرْسُمُ أَحْلَامِي بِأَصَابِعٍ صَغِيرَةٍ،

وَأَكْتُبُ اسْمِي عَلَى الدَّفْتَرِ

لِأُقْنِعَ نَفْسِي أَنَّنِي أَسْتَحِقُّ الفَرَحَ

وَلَا أَنْقُصُ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا.

أَبِي…

لَوْ تَعْرِفُ كَيْفَ حَمَلَتْنِي أُمِّي وَحِيدَةً،

كَيْفَ سَهِرَتْ،

كَيْفَ خَافَتْ،

كَيْفَ حَمَتْنِي مِنْ دُنْيَا كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَسْرِقَ بُسْمَتِي.

كَانَتْ تَقُولُ لِي:

"لَا تَحْزَنِي يَا هِبَةُ… فَاللهُ مَعَكِ."

وَكُنْتُ أُصَدِّقُهَا،

فَلِهَذَا وَصَلْتُ إِلَى هُنَا،

أَقْوَى،

وَأَطْهَرَ،

وَأَجْمَلَ مِمَّا ظَنُّوا.

أَبِي…

لَسْتُ أَكْتُبُ لَأُعَاتِبَكَ،

وَلَا لِأُحَمِّلَكَ ذَنْبَ الطُّفُولَةِ الَّتِي غِبْتَ عَنْهَا،

بَلْ لِأَقُولَ لَكَ:

إِنَّنِي كَبِرْتُ بِرِضَا اللهِ،

وَبِحُبِّ أُمٍّ عَظِيمَةٍ،

وَبِقَلْبٍ يَبْتَسِمُ لِلْحَيَاةِ

رَغْمَ كُلِّ الفُجُوَعِ.

أَبِي…

إِنْ عُدْتَّ يَوْمًا،

فَسَتَجِدَنِي كَمَا خَلَقَنِي اللهُ:

قَلْبًا صَغِيرًا يَعْرِفُ العَفْوَ،

وَيُؤْمِنُ أَنَّ الحَيَاةَ تُعْطِي بَدَلَ المَرَّةِ أَلْفًا

لِمَنْ يَسْتَحِقُّ.

إِلَيْكَ أَبِي…

هَذِهِ رِسَالَتِي،

وَهَذِهِ دُمُوعِي الَّتِي لَمْ تَخُنِّي،

وَهَذَا صَوْتِي الَّذِي تَعَلَّمَ أَنْ يَقُولَ:

أَنَا هِبَةٌ…

وَسَأَكْبَرُ،

وَسَأَصْدُرُ،

وَلَنْ يَكْسِرَنِي غِيَابُكَ أَبَدًا."

الرسالة رقم 2 

طفلة تبحث عن حضن أبيها

هبةً تولدُ فوقَ جرحٍ صامتٍ

وتكبُرُ رغم الغيابِ ووحشةِ الأيامِ

يا طفلةً لم يلمسْ أبوها جبينَها

ولا سمعَ يوماً خفقَ قلبِها المنهكِ بالكلامِ


تُقلّبُ دفاترَ الصفِّ الثاني

وتحملُ محفظتَها الصغيرةَ كأنها وطنٌ صغير

تمشي وفوقَ كتفَيْها سؤالٌ مرّ

لماذا غابَ أبي؟ ولماذا لم يزرني ولو مرّة؟

لكنها رغمَ الوجع

تزهرُ كفرحةٍ عنيدة

وترفعُ رأسَها للسماء

كأنها تقول:

"سأكبر… وسيعلمُ أبي يوماً

أنّي كنتُ أستحقُّ منه نظرةً… أو حتى سلاماً."


ظاهرة حركة الكلاوت حب الظهور ونيل الاعجابات ( مقاربة نفسية - سوسيولوجية)

 


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي .....!!!

المقدمة : 

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً مركزياً في تشكيل الهوية والسلوك لدى فئات واسعة من الشباب في العالم العربي. ومع هذا التحول الرقمي المتسارع، برزت ظاهرة جديدة تعرف باسم حبّ الكلاوت، أي الرغبة المفرطة في الظهور، والحصول على الإعجابات، والمشاهدات، والاعتراف الرقمي. وهذه الظاهرة ليست مجرد سلوك إلكتروني عابر، بل هي مؤشر على تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المعاصر.

أولاً: تعريف ظاهرة حبّ الكلاوت

يشير مفهوم الكلاوت (Clout) إلى السعي لاكتساب النفوذ والشهرة عبر الفضاء الرقمي، اعتماداً على:

نشر المحتوى بصورة مستمرة،

الحصول على الإعجابات والتعليقات،

جذب أكبر عدد من المتابعين

خلق حضور رقمي يفوق الحضور الواقعي.

وتُعد هذه الظاهرة امتداداً لما يسميه علماء الاجتماع بـ"الهوية المؤدّاة" حيث يتحول الشخص إلى ممثل دائم أمام جمهور غير مرئي.

ثانياً: الجذور النفسية للظاهرة

1. الحاجة إلى الاعتراف

يرتبط حبّ الظهور مباشرة بالحاجة الإنسانية إلى التقدير والاعتراف، وهو ما توفره المنصات الرقمية بشكل سريع ولحظي.

2. النرجسية الرقمية

حيث يتم تضخيم صورة الذات من خلال الفلاتر، والزوايا المثالية، وصناعة صورة توهم بالكمال، مما يعزز الشعور الزائف بالأهمية.

3. الخوف من التلاشي (FOMO)

تخلق المنصات شعوراً بالخوف من فقدان الاهتمام أو عدم الظهور على الساحة، فيسعى الفرد إلى إنتاج محتوى مستمر حتى لو كان سطحياً.

ثالثاً: الدوافع الاجتماعية والثقافية

1. اقتصاد الانتباه

باتت الشهرة الرقمية رأسمالاً جديداً، له قيمة اقتصادية واجتماعية. وكلما كثر التفاعل، زادت قيمة الشخص داخل الفضاء الرقمي.

2. ثقافة الاستعراض

تحوّلت الحياة اليومية إلى عروض متواصلة: الملابس، السفر، العواطف، الطعام، العلاقات... كل شيء يصبح مادة للعرض.

3. اختفاء الحدود بين الخاص والعام

لم تعد الخصوصية قيمة مركزية، بل أصبحت جزءاً من المحتوى الذي يُباع للجمهور.

رابعاً: مظاهر حبّ الكلاوت

نشر محتوى استفزازي أو صادم بهدف رفع المشاهدات.

تقليد الترندات بشكل مفرط دون وعي أو معنى.

إظهار أجزاء خاصة من الحياة الأسرية.

السعي إلى الارتباط بشخصيات مشهورة لزيادة المتابعين.

الاعتماد على المظاهر: الملابس، السيارات، السفر… لإثبات المكانة.

خامساً: الآثار السلبية للظاهرة

1. على المستوى النفسي

انعدام الثقة بالنفس خارج المنصات.

الإدمان على التفاعل الرقمي.

القلق والاكتئاب في حال غياب الإعجابات.

2. على المستوى الاجتماعي

خلق معايير زائفة للنجاح والاعتراف.

تآكل العلاقات الاجتماعية الحقيقية.

انتشار التقليد الأعمى بين فئات الشباب.

3. على المستوى الثقافي

صعود المحتوى السطحي على حساب المعرفة.

تراجع سلطة المثقف والمربي لصالح “المؤثر اللحظي”.

إعادة تشكيل الوعي وفق منطق المنصات لا منطق القيم.

سادساً: تفسير الظاهرة في ضوء علم الاجتماع

يمكن تفسير الظاهرة عبر مجموعة من النظريات:

نظرية رأس المال الرمزي لبورديو: حيث تصبح الإعجابات رأس مال اجتماعي.

نظرية التفاعل الرمزي: حيث يبني الفرد هويته من خلال ردود فعل الجمهور.

نظرية المجتمع الاستهلاكي لبودريار: حيث تتحول الحياة إلى صور أكثر من كونها واقعاً.

سابعاً: نحو مقاربة علاجية وتربوية

1. تعزيز التربية الرقمية الواعية داخل الأسر والمدارس.

2. ترسيخ قيم الإنجاز الحقيقي بدل الإنجاز الوهمي الرقمي.

3. تشجيع المحتوى الهادف الذي يجمع بين الإبداع والمسؤولية.

4. بناء وعي نقدي لدى المستخدم حول آليات الخوارزميات وتأثيرها.

الخاتمة : 

إن ظاهرة حبّ الكلاوت تكشف عن أزمة عميقة في مفهوم الذات والهوية والقيمة داخل المجتمع الرقمي. ورغم أن الظهور الرقمي قد يحمل جوانب إيجابية، إلا أن الإفراط في البحث عن الاعتراف الافتراضي قد يخلق جيلاً يعيش على الإعجابات ويتغذى على المشاهدات بدل الإنجاز الحقيقي. من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم الأصيلة القائمة على العمل، والعلم، والإبداع، والمسؤولية.

ظاهرة الانفلوينسرز والجري وراء الشهرة السريعة ( مقاربة سوسيولوجية - ثقافية )



 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!! 

المقدمة : 

شهدت المجتمعات العربية والعالمية خلال العقدين الأخيرين تحوّلاً جذرياً في أنماط التواصل والتأثير الاجتماعي، تزامناً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الرقمي. وقد أفرز هذا التحول فئة جديدة من الشخصيات تُعرف باسم الإنفلوينسرز أو "صناع المحتوى"، الذين استطاعوا أن يحظوا بمتابعة جماهيرية كبيرة وأن يصبحوا مصدر تأثير في الذوق والاستهلاك والسلوك العام. لكن هذا الصعود السريع أثار نقاشاً واسعاً حول الدوافع والآثار المرتبطة بالجري وراء الشهرة السريعة، ومدى انعكاس ذلك على القيم الثقافية والبنية الاجتماعية.

أولاً: مفهوم الإنفلوينسرز وأسس ظهوره

يشير مصطلح Influencer إلى شخصية تمتلك قدرة على التأثير في الجمهور من خلال منصات التواصل الاجتماعي، مثل إنستغرام، تيك توك، يوتيوب وغيرها. ولم يعد هذا التأثير مرتبطاً بالمكانة العلمية أو الثقافية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على صناعة محتوى يجذب انتباه الجمهور. ويرجع ظهور الظاهرة إلى عدة عوامل:

1. التحول الرقمي وهيمنة المنصات الافتراضية.

2. الفراغ القيمي الناتج عن ضعف النماذج التقليدية من المثقفين والزعماء الاجتماعيين.

3. سهولة الوصول للمنصات وقلة التكاليف مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

4. البحث عن الاعتراف الاجتماعي كحاجة بشرية متجذرة.

ثانياً: دوافع الجري وراء الشهرة السريعة

1. الدوافع النفسية

الحاجة إلى الاعتراف والتقدير.

الهروب من الشعور بالتهميش أو الفشل في الحياة الواقعية.

الإعجاب الذاتي والرغبة في الظهور (النرجسية الرقمية).

2. الدوافع الاقتصادية

إمكانية تحقيق أرباح مالية كبيرة في مدة قصيرة.

العقود الإعلانية والرعايات التجارية.

فرص العمل الجديدة التي توفرها صناعة المحتوى.

3. الدوافع الاجتماعية

تأثير الأقران وحالة التقليد.

قيمة "الترند" في تشكيل الوعي الجماعي.

تراجع الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة في ضبط السلوك.

ثالثاً: سمات المحتوى الذي يصنعه الإنفلوينسرز

تتراوح أنماط المحتوى بين الهادف والترفيهي، لكن غالباً ما تطغى:

المحتويات السريعة والاستهلاكية قصيرة المدة.

الاستعراض المبالغ فيه للحياة الشخصية.

البحث عن الإثارة والصدمة لجلب المشاهدات.

السطحية في التحليل والطرح على حساب العمق والمعرفة.

رابعاً: الآثار السوسيولوجية والثقافية للجري وراء الشهرة

1. على الفرد

فقدان الهوية الحقيقية مقابل "الهوية الرقمية".

التوتر والضغط النفسي المستمر للحفاظ على الظهور.

الاعتماد المفرط على التفاعل الرقمي لتقدير الذات.

2. على الأسرة

تفكك في العلاقات الأسرية بسبب الانشغال المستمر بالتصوير والبث.

صراعات بين الأجيال حول معنى النجاح والقيمة.

3. على المجتمع

انتشار ثقافة "الشهرة قبل القيمة".

تراجع مكانة النخبة المثقفة وأصحاب الإنجازات الفعلية.

تعزيز الاستهلاك والسطحية على حساب الوعي النقدي.

خامساً: تأثير الخوارزميات في صناعة الشهرة

تلعب خوارزميات المنصات دوراً مركزياً في تضخيم بعض الشخصيات وتهميش أخرى. فهي تعتمد على:

مدة المشاهدة.

التفاعل اللحظي.

ميولات الجمهور.

وهذا يخلق "اقتصاد الانتباه" حيث يصبح الإنسان سلعة رقمية، وتصبح الشهرة غاية في حد ذاتها.

سادساً: مقاربة نقدية للظاهرة

يمكن فهم الظاهرة من منظور علم الاجتماع الثقافي باعتبارها:

نتاجاً لعصر الفردانية المفرطة حيث يُعاد تعريف الذات عبر الشاشة.

انعكاساً لأزمة القيم في المجتمعات التي تعيش انتقالاً بين تقاليد قديمة وحداثة رقمية متسرعة.

نتيجة لعولمة الثقافة وتجفيف مصادر القدوة التقليدية.

الخاتمة : 

إن ظاهرة الإنفلوينسرز والجري وراء الشهرة السريعة ليست مجرد موضة عابرة، بل هي تحول بنيوي في أنماط التأثير الاجتماعي. ورغم ما تحمله من فرص في التعبير والإبداع والاشتغال المهني الجديد، إلا أنها تكشف تحديات خطيرة على مستوى القيم والهوية والبنية الثقافية. لذا ينبغي التعامل معها بوعي نقدي، ودمجها في مسارات التربية الرقمية، لضمان توجيهها نحو محتوى هادف يخدم الفرد والمجتمع.

ظاهرة تحول الشخص المتفائل المحب للحياة الى كتلة من الصمت والانعزال


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي ....!!!

العبادات هي المِصهر الذي تُصقل فيه الإرادة، فكل طاعة تُنفّذ أو معصية تُجتنب تزيد صلابة الإرادة وتقرّب النفس من عبودية الله وحده، والعكس صحيح. فالإرادة هي المفتاح الذي تُضبط به النفس، فتزداد أو تضعف تحت سطوة الضغوط الخمس التي بُرمجت النفس وسُوّيت بها من أجل أن تتغيّر إرادتك: العجلة، والخوف، والكسل، والطمع، والكبر. وهذا بالضبط ما تفعله العبادات، فهي تمرينٌ يوميٌّ للتغلّب على العجلة والكسل والخوف والطمع والكبر.

وكل ضعفٍ أمام هذه الضغوط يُضعف الإرادة، فتهزم النفس أمام الأصوات الداخلية التي تعبّر عن المعتقدات السلبية التي كانت قد خضعت سابقًا لقوة الإرادة حين كانت هي الغالبة، فيعود العبد إلى عبوديةٍ لغير الله فيتوقف نموّه. عندها يطلق جهاز الإنذار في داخله صوته على شكل قلقٍ وحزنٍ واضطراب، تنبيهاً له بأن مساره قد اختلّ.

أمّا حين تُضبط الإرادة بالوعي والإيمان، وتُدرّب بالعبادات تدريبًا مستمرًا، تنقلب تلك الضغوط إلى وقودٍ للنموّ، فيسمو العبد فوق أهوائه ومخاوفه. فعبودية الله ليست خضوعًا يُضعف الإرادة، بل تدريبٌ إلهيٌّ يُقوّيها لتبلغ ذروتها العُظمى، فتصبح أكثر قدرةً على التحرّر من كل أشكال العبودية. وكل من وجّه إرادته وعبوديته إلى الله وحده تحرّر من الخوف من الخلق، ومن الظروف، ومن المستقبل، ونال الطمأنينة التي لا تُشترى.

فالطمأنينة هي الدليل القاطع، وهي المؤشر الذي يُظهر إن كان العبد صاحبَ إرادةٍ عاليةٍ جعلته حرًّا بعبوديته لله، أو ذا إرادةٍ مهزومةٍ قادته إلى عبوديةٍ لغيره، فهاجمته نفسه التي بُرمجت لتصنع له اضطرابًا كلما ضعفت إرادته وانحرفت عبوديته عن وجهتها نحو الله.

ومن أمثلة ذلك الاضطراب الخذلان الذي يشعر به الإنسان حين يصنع المعروف لأجل الناس لا لأجل الله، فيتحول الخير إلى ألمٍ إذا لم يُقابَل بتقدير، كجحود الأهل أو الأبناء أو الأصدقاء أو الزوج أو الزوجة. وكذلك حين يسعى الإنسان إلى النجاح ليُرضي الناس أو يُثبت ذاته أمامهم، لا لابتغاء وجه الله ورفع إرادته لتعينه على عبوديته، فيجد نفسه في قلقٍ دائمٍ رغم إنجازاته، لأن الإرادة خرجت عن مسارها الأصلي.

ومن صور الهجوم النفسي أيضًا الإحباط والسخط حين لا تتحقق التوقعات، أو حين يُبتلى الإنسان في خُلق الثقة بالله من خلال الابتلاءات، ذلك الخلق الذي يُعبّر عنه بالرضا والصبر على البلاء، وهما مظهران من مظاهر الإيمان بحكمة الله وتقديره. وكذلك الغضب الدفين حين يُفضَّل غيره عليه في النعم، أو الغيرة التي تنهش قلبه لأنه فقد بوصلته الداخلية حين ابتُلي بحسن الظن بالله وتوقيره، وهو ذات الابتلاء الذي سقط فيه إبليس عندما خلق الله آدم.

وهذا الضبط لنظام النفس بهذا الشكل إنما هو من أجل أن تعود فتعيد توجيه إرادتك وتبحث عن الطريق الذي يعيدك إلى عبودية الله وحده؛ فهو نظامٌ دقيقٌ موزونٌ يردّك إلى مركزك كلما انحرفت، ويذكّرك بأن الاضطراب ليس عقوبةً بل بوصلة. فإذا أحسنت قراءة هذه الإشارات وضبطت نفسك ونيّتك، أصبحت إرادتك أقوى وأصفى، تعمل في انسجامٍ مع الفطرة والغاية الإلهية، فتصل إلى عبودية الله التي تُثمر الطمأنينة، وهي أرقى درجات السلام الداخلي، وأصدق علامةٍ على إرادةٍ عظيمةٍ أفضت إلى توحيد العبودية لله وحده، فأصبحت تلك النفس حرّةً طليقةً من كل قيود النفس واضطراباتها


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

المغرب واحتضان الدورة 93 للإنتربول: دلالة المكان ورهانات التعاون الأمني الدولي


 بقلم خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي/ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!!

المقدمة

تتجه أنظار العالم اليوم نحو مدينة مراكش، التي تحولت إلى قبلة دولية للأمن العالمي باحتضانها أشغال الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للإنتربول. هذا الحدث، الذي يُعد أكبر تجمع أمني دولي يضم قادة وممثلي أجهزة الشرطة من 196 دولة، يشكل منعطفاً مهماً في مسار تعزيز التعاون الأمني العابر للحدود. ويعكس اختيار المغرب لاحتضان هذه التظاهرة الكبرى المكانة المتصاعدة للمملكة في المنظومة الأمنية العالمية، باعتبارها شريكاً موثوقاً وفاعلاً أساسياً في بناء السلم والاستقرار.

أولاً: أهمية احتضان المغرب لأكبر تجمع أمني دولي

يمثل احتضان مراكش لهذا الحدث تتويجاً لسلسلة من النجاحات التي حققتها المملكة في المجال الأمني خلال العقدين الأخيرين. فالمغرب رسّخ نموذجاً أمنياً استباقياً ومتطوراً، من خلال:

  • تحديث منظومته الأمنية والاستخباراتية.
  • الاستثمار في الكفاءات البشرية والتكنولوجيات الحديثة.
  • تعزيز التعاون الدولي الثنائي ومتعدد الأطراف.
  • مقاربة شمولية تجمع بين الأمن والتنمية ومحاربة التطرف.

وتأتي الثقة العالمية في المغرب نتيجة لنجاعته المثبتة في تفكيك الشبكات الإرهابية، والتصدي للجريمة المنظمة، ومحاربة الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، ما جعل المملكة مركزاً إقليمياً للدعم الأمني والاستخباراتي.

ثانياً: مراكش.. مدينة تتحول إلى منصة دولية للحوار الأمني

احتضان مراكش للدورة 93 للإنتربول ليس اختياراً عابراً، بل تأكيد لدورها المتصاعد كمدينة تستقطب المؤتمرات الدولية الكبرى. فقد وفرت المدينة بنية تحتية متطورة وقدرة تنظيمية عالية، سمحت باستقبال وفود من نحو 200 دولة، إضافة إلى خبراء أمنيين وقانونيين.

وتتجاوز أهمية الحدث البعد التنظيمي إلى بعد استراتيجي، يتمثل في:

  • تعزيز الحوار بين الدول حول التحديات الأمنية المشتركة.
  • تبادل الخبرات في مجالات الأمن الإلكتروني، مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود.
  • وضع آليات جديدة للتعاون في ظل تطور التهديدات الأمنية.

ثالثاً: المغرب شريك موثوق في تعزيز الأمن العالمي

يُنظر إلى المغرب اليوم كقوة استقرار إقليمية تلعب أدواراً محورية في مناطق متعددة، خصوصاً في إفريقيا. وقد أثبتت التجربة أن المملكة:

  • شريك رئيسي للاتحاد الأوروبي في قضايا الأمن والهجرة.
  • عضو فاعل في المنظمات الأممية والإقليمية المهتمة بمحاربة التطرف.
  • داعم لوجستي وتقني للدول الإفريقية في بناء قدراتها الأمنية.

إن المقاربة المغربية تقوم على ثلاث ركائز: الاستباقية – الالتقائية – واحترام حقوق الإنسان، وهي ركائز جعلت التجربة المغربية محط إشادة دولية متواصلة.

رابعاً: رهانات الدورة 93 للإنتربول

تأتي هذه الدورة في سياق عالمي دقيق، يشهد:

  • تنامي الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
  • تصاعد التهديدات الإرهابية.
  • توسّع الجريمة الإلكترونية واستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات إجرامية.
  • أزمات جيوسياسية تُضعف التعاون بين الدول.

وبالتالي، يشكل اجتماع مراكش فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدول وتطوير مقاربات جديدة، من أبرزها:

  • تعزيز تبادل البيانات الجنائية الدولية.
  • تطوير آليات التتبع والإنذار المبكر.
  • بناء قدرات الدول النامية لمواجهة التهديدات المستجدة.
  • دعم التعاون القضائي والأمني المشترك.

الخاتمة

يثبت احتضان المغرب للدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول أن المملكة أصبحت رقماً صعباً في المعادلة الأمنية الدولية، بفضل استراتيجيتها المتوازنة وحرصها على تعزيز التعاون الدولي. ويؤكد هذا الاختيار المكانة الرفيعة التي باتت تحتلها الدبلوماسية الأمنية المغربية، ودورها في ترسيخ الاستقرار والسلم العالميين.

إن نجاح مراكش في تنظيم هذا الحدث يعكس ليس فقط قوة الجهاز الأمني المغربي، بل أيضاً رؤية ملكية حكيمة جعلت من أمن المواطن، ومن التعاون الدولي، ركيزة أساسية لبناء المغرب الحد


المملكة المغربية: أرض المحبة والسلام والتعايش بين الأديان


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي/ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي...!!!


المملكة المغربية: أرض المحبة والسلام والتعايش بين الأديان

تُعدّ المملكة المغربية نموذجًا فريدًا في العالمين العربي والإسلامي في مجال ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين الأديان، بفضل رؤية تاريخية راسخة وسياسة دينية حكيمة جعلت من المغرب بلدًا مفتوحًا على الآخر، ومجتمعًا يحتضن التنوع الثقافي والروحي باحترام وانسجام. ويستمد المغرب تميّزه في هذا المجال من عمقه الحضاري الممتد لأزيد من اثني عشر قرنًا، ومن مؤسساته الدينية العريقة التي تُعلي من شأن الوسطية والاعتدال.

1. الجذور التاريخية للتعايش في المغرب

إنّ التاريخ المغربي زاخر بنماذج التعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين. فقد عاش اليهود في المغرب منذ أكثر من ألفي عام، وظلّوا جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والثقافي. وكانت المدن العتيقة مثل فاس ومراكش والصويرة شاهدة على هذا الغنى الديني. كما عرفت المملكة استقبالًا للمسيحيين والتجار الأوروبيين عبر مختلف العصور، ما عمّق روح الانفتاح والحوار الحضاري.

2. إمارة المؤمنين كضامن للحرية الدينية

تشكل مؤسسة إمارة المؤمنين التي يقودها الملك محمد السادس أساسًا دستوريًا وروحيًا لضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية لليهود والمسيحيين، إلى جانب حماية الدين الإسلامي المعتدل. فهذه المؤسسة تضمن الحماية القانونية والدستورية لكل الديانات، وتعكس رؤية الدولة في صيانة التنوع الديني باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية، لا تهديدًا لها.

3. سياسة المغرب في نشر قيم السلام عالميًا

تبنّى المغرب سياسة خارجية متّسمة بالاعتدال والدبلوماسية والحوار، واحتضن مؤتمرات دولية كبرى لتعزيز الحوار بين الأديان، مثل مؤتمر مراكش لحقوق الأقليات الدينية (2016)، والمنتدى العالمي للحوار بين الثقافات، إضافة إلى مساهمته في المبادرات الأممية لمكافحة التطرف العنيف. كما تشكّل الرابطة المحمدية للعلماء ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة مرجعيتين عالميتين في نشر قيم السلم والوسطيّة.

4. الرموز الثقافية والمعمارية للتعايش

تجسّد المعالم المغربية هذا التعايش بشكل ملموس، مثل الكنس اليهودية التي أعيد ترميمها في فاس والصويرة والدار البيضاء، والكنائس المسيحية التي تُمارَس فيها الشعائر بحرّية، إلى جانب المساجد التاريخية. ويمثّل هذا التنوع المعماري رمزًا حيًا للتسامح المغربي، كما أسهم التراث الموسيقي مثل "الملحون" و"الغْرِيبَة" ومواسم اليهود المغاربة في تعزيز التواصل الروحي بين المكوّنات الدينية.

5. المغرب كنموذج عالمي في مكافحة التطرف

اعتمدت المملكة مقاربة شاملة لمواجهة التطرف، ترتكز على التعليم الديني المؤطر، وتكوين الأئمة والمرشدات وفق عقيدة سنية أشعرية ومذهب فقهي مالكي وسلوك صوفي سني، ما جعل المغرب مركزًا عالميًا في تكوين الأئمة من إفريقيا وأوروبا. وتُعد هذه المقاربة دليلاً على قدرة المغرب على مزج الأمن الروحي بالاستقرار الاجتماعي.

6. التعايش كرافعة للتنمية والاستقرار

لقد أثبت الواقع أن التعايش والسلام ليسا مجرد شعارات، بل عاملان أساسيان في تعزيز التنمية السياحية والاقتصادية. فمدن مثل الصويرة ومراكش أصبحت قبلة لزوار العالم بفضل أجواء الانفتاح والأمان واحترام الدين والهوية، مما يعزز صورة المغرب كبلد الضيافة والمحبة والسلام.

خاتمة : 

يمثل المغرب اليوم نموذجًا يُحتذى في نشر ثقافة التسامح والتعايش بين الديانات، بفضل رؤية ملكية حكيمة وسياسة دينية معتدلة وتاريخ عريق في احتضان الآخر. وبذلك تظل المملكة المغربية بحق أرض المحبة والسلام، وفضاءً يجتمع فيه الناس على اختلاف معتقداتهم تحت راية الاحترام والتقدير المتبادل.



الاثنين، 24 نوفمبر 2025

علم الأدب: دراسة أكاديمية موسعة


 بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس ؛ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي/ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!! 

مقدمة ،: 

يُعدّ علم الأدب من أهمّ العلوم الإنسانية التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والحضاري للأمة العربية عبر العصور. فهو علم يتناول النتاج الإبداعي للإنسان، من شعر ونثر، ويعمل على تحليل بنياته اللغوية والجمالية والفكرية. ولأن الأدب مرآة تعكس حركة المجتمع وتطوره، فقد أصبح علمًا متكاملاً يتقاطع مع علوم اللغة والبلاغة والنقد والفلسفة والتاريخ.

أولاً: مفهوم علم الأدب ومجالاته

يُعرّف علم الأدب بأنه الدراسة المنهجية للنصوص الأدبية قصد الكشف عن جمالياتها ومعانيها، وتحليل تراكيبها، وفهم القيم الإنسانية التي تعبر عنها.

ويتجاوز المفهوم المعاصر للأدب مجرد "الكلام الجميل"، ليشمل كل نص إبداعي يُنتج قصد التأثير في المتلقي عبر اللغة.

1. الأدب كتعبير إنساني

الأدب تعبير عن تجربة الإنسان الوجدانية والفكرية، وعن علاقته بالعالم، لذلك يتميز بالرمزية، والتكثيف، والخيال، والقدرة على الإيحاء.

2. الأدب كفن لغوي

اللغة هي المادة الخام في الأدب؛ لذلك يُعدّ الأدب فناً لغوياً يستخدم الأساليب والتراكيب والبلاغة في بناء نص يختلف عن الكلام العادي.

ثانياً: تطور علم الأدب عبر العصور

1. العصر الجاهلي

في هذا العصر ظهرت اللبنات الأولى للأدب العربي، وكان الشعر هو الديوان الأكبر للعرب، يُدوّن قيم المجتمع وأخلاقه، ويصف حياة البدو، ويؤسس لمبادئ البيان والفصاحة.

2. العصر الإسلامي

دخلت المفاهيم الدينية في الأدب، وتطورت الخطابة السياسية والدينية، وأصبح الأدب وسيلة نشر للقيم الإسلامية، مع ظهور فنون جديدة مثل الرسائل الديوانية.

3. العصر الأموي والعباسي

يُعد العصر العباسي العصر الذهبي للأدب، حيث:

ازدهرت البلاغة والنقد.

ظهر عبد القاهر الجرجاني بمفهوم النظم.

توسعت فنون الشعر والصناعة اللفظية.

ظهرت المقامات والسرديات الأولى.

4. العصر الحديث والمعاصر

مع الاحتكاك بالغرب، ظهرت الفنون الحديثة:

الرواية

المسرح

القصة 

المقالة

إضافة إلى المناهج النقدية الحديثة: البنيوية، التفكيكية، السيميائية، الأسلوبية والتحليل النفسي.

ثالثاً: فروع علم الأدب

1. الأدب الإبداعي (الإنتاج)

يشمل:

الشعر: العمودي، التفعيلة، القصيدة الحديثة.

النثر الفني: الوصف، المقالة، الخطابة، المراسلات.

الأدب السردي: الرواية، القصة، السيرة الذاتية، اليوميات.

الأدب المسرحي: النص والعرض.

2. الأدب المقارن

يعالج العلاقات بين الأدب العربي وآداب الأمم الأخرى من حيث التأثر والتأثير والموضوعات المشتركة والرؤية الإنسانية.

3. النقد الأدبي

فن دراسة النصوص وتحليلها وتقويمها، وينقسم إلى:

نقد قديم: ابن سلام الجمحي، الجاحظ، ابن طباطبا العلوي، الجرجاني.

نقد حديث: المنهج البنيوي، السيميائي، السرديات، التحليل النفسي، النقد الثقافي.

4. البلاغة

وهي العلم الذي يكشف عن جماليات اللغة، وتنقسم إلى:

علم البيان: التشبيه، الاستعارة، الكناية.

علم المعاني: الأساليب، الخبر والإنشاء.

علم البديع: المحسنات اللفظية والمعنوية.

5. علم اللغة المرتبط بالأدب

الصوتيات، النحو، الصرف، الدلالة، التداولية… وكلها أدوات لتحليل النصوص.

رابعاً: المناهج النقدية في دراسة الأدب

1. المنهج التاريخي

يدرس النص في سياقه الحضاري والزمني.

2. المنهج الاجتماعي

يربط الأدب بالبيئة الاجتماعية، مثل منهج غولدمان.

3. المنهج النفسي

يفسر النص عبر نفسية المبدع أو المتلقي، مثل فرويد ويونغ.

4. المنهج البنيوي

يركز على بنية النص الداخلية بعيداً عن مؤلفه وظروفه.

5. المنهج الأسلوبي

يحلّل اللغة والأسلوب لتركيب الدلالة.

6. المنهج التفكيكي

يعيد قراءة النص بحثًا عن المناطق المهمّشة واللامرئية.

7. السيميائيات

تدرس العلامات والرموز داخل النص.

خامساً: أهمية علم الأدب

1. تنمية الذوق الجمالي والفني لدى القارئ ,

2. تعزيز الهوية الثقافية واللغوية للأمة.

3. فهم المجتمع والإنسان عبر رموز أدبه ونصوصه.

4. تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليل.

5. إغناء الحس اللغوي والمهارات التعبيرية.

6. تنوير الوعي من خلال قراءة التجارب الإنسانية المختلفة.

سادساً: علاقة الأدب بالعلوم الأخرى

1. علاقة الأدب بالفلسفة

يتقاطع الأدب مع الفلسفة في طرح الأسئلة الوجودية والبحث عن المعنى.

2. علاقة الأدب بالتاريخ

الأدب مصدر مهم لدراسة الأحداث التاريخية، ورواية تحولات المجتمعات.

3. علاقة الأدب بعلم النفس

تفسر النصوص من خلال تحليل الشخصيات والدوافع الإنسانية.

4. علاقة الأدب بعلم الاجتماع

يعكس الأدب البنية الاجتماعية وقيمها وثقافتها.

5. علاقة الأدب بالإعلام

تتطور اللغة والخطاب الأدبي مع وسائل الإعلام الحديثة.

خاتمة : 

إن علم الأدب علمٌ واسعٌ ومتشعب، يجمع بين المعرفة والوعي الجمالي، ويُعد أحد أهم الأعمدة التي تقوم عليها الحضارة العربية الإسلامية. فهو ليس مجرد تحليل للنصوص، بل هو بوابة لفهم الإنسان، والمجتمع، واللغة، والفكر.

وقد أثبت الأدب عبر العصور أنّه قوة فاعلة في تشكيل الوجدان وتحريك الوعي، وأنه مستودع القيم والذاكرة الحضارية.

اليك انت : يوسف مزضوضي قرة العين


بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي/ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!!!

يوسفُ صغيري الذكيُّ محبوبُ

في القلبِ لهُ دومًا مقرُّ معروفُ

مشاغبٌ يلعبُ بينَ الضحكِ واللعبِ

وعقلهُ يُشرقُ كالنورِ الواضحُ الصوفُ

يضحكُ، يركضُ، يغني ويرسمُ

ويزرعُ الفرحَ حيثُ كانَ القلقُ العسوفُ

عيونهُ كالنجومِ في الليالي الحالكةِ

تضيءُ لي الطريقَ حينَ تظلمُ الدروبُ

صوتهُ موسيقى تملأُ البيتَ سعادةً

وقلبُهُ الطيبُ يجلبُ الحبَّ المعلومُ

يوسفُ يا زهرةَ العمرِ يا فرحَ العائلةِ

لكَ في القلبِ مكانٌ، في الروحِ محفوظُ

كلُّ يومٍ معك يا صغيري أحلى وأبهى

وفي حضنكَ أجدُ الأمانَ والطمأنينةَ دومُ

أنتَ الحلمُ الجميلُ الذي تحققَ لنا

يا يوسفُ يا نجمي، يا ضيًّا وسرورُ

الأمانة و ما أدراك من الأمانة


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .

قال تعالى ﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ [الأحزاب: 72]

الأمانة هي عبوديةُ الله، أي أن يُخلِص المكلَّف في عبوديته لله؛ ذلك المكلَّف الذي مُنِح حريةَ الاختيار والإرادة ليقوم بالتغيير، بعد أن خُيِّر في ذلك في عالم الذر وهو في هيئته الروحية.

. فمَن اختار التغييرَ المطلق غيرَ المقيَّد صار مكلَّفًا، ومَن لم يختر بقي غيرَ مكلَّف، مقيَّدًا في مقدار تغيّره بحجمٍ معيّن؛ مفطورًا على عبادة الله ولكن في كينونةٍ جديدة محدودة، مزيجٍ بين كينونته الروحية وكينونةٍ جديدة صالحةٍ لحياةٍ أخرى في الآخرة

لذلك يشترك الجميعُ—المكلَّف وغير المكلَّف—في تشكيل كيانهم الجديد ما يسمى بالنمو ، ورفعِه إلى مستواه اللائق، من خلال حياةِ مخاضٍ تُسمّى الحياةَ الدنيا؛ ومنها يتشكّل الجميعُ ليأخذوا الهيئةَ الجديدة التي ستسكن حياةَ الآخرة. ولهذا يتألم الحيوان، ويكافح من أجل البقاء، وهذا الكفاح هو الضغط الذي تتبلور من خلاله هيئتُه الجديدة. كما يستمتع بالطبيعة، ويتعرّف—كما يتعرّف الإنسان—على محيطه، حتى يصل إلى كينونته الجديدة التي سيُبعث عليها ككائنٍ جديد.

الفرق أنَّ الاختيار الذي قام به المكلَّف يفتح له سقفًا غير محدود لمكانته الجديدة، سقفًا مرتبطًا بحرية اختياره وإرادته الحرّة، شرطها أن يقوّي إرادتَه ليُعتِق نفسَه من كلّ العبوديات التي وُجد فيها ابتلاءً وامتحانًا، ومن كلّ الضغوط التي فُطِر عليها (الضغوط الخمس)، ليتغلّب على ذلك كلّه فيكون عبدًا لله بحقّ. وبعد ذلك يصبح قادرًا على حمل أعباء الاستخلاف في الأرض، أي أن يكون مسؤولًا كما أراد الله، وهو أمرٌ ليس بالهيّن.

ولذلك كان الإنسانُ ظلومًا جهولًا عندما اختار أن يحمل الأمانة.

العبادات هي المِصهر الذي تُصقل فيه الإرادة، فكل طاعة تُنفّذ أو معصية تُجتنب تزيد صلابة الإرادة وتقرّب النفس من عبودية الله وحده، والعكس صحيح. فالإرادة هي المفتاح الذي تُضبط به النفس، فتزداد أو تضعف تحت سطوة الضغوط الخمس التي بُرمجت النفس وسُوّيت بها من أجل أن تتغيّر إرادتك: العجلة، والخوف، والكسل، والطمع، والكبر. وهذا بالضبط ما تفعله العبادات، فهي تمرينٌ يوميٌّ للتغلّب على العجلة والكسل والخوف والطمع والكبر.

وكل ضعفٍ أمام هذه الضغوط يُضعف الإرادة، فتهزم النفس أمام الأصوات الداخلية التي تعبّر عن المعتقدات السلبية التي كانت قد خضعت سابقًا لقوة الإرادة حين كانت هي الغالبة، فيعود العبد إلى عبوديةٍ لغير الله فيتوقف نموّه. عندها يطلق جهاز الإنذار في داخله صوته على شكل قلقٍ وحزنٍ واضطراب، تنبيهاً له بأن مساره قد اختلّ.

أمّا حين تُضبط الإرادة بالوعي والإيمان، وتُدرّب بالعبادات تدريبًا مستمرًا، تنقلب تلك الضغوط إلى وقودٍ للنموّ، فيسمو العبد فوق أهوائه ومخاوفه. فعبودية الله ليست خضوعًا يُضعف الإرادة، بل تدريبٌ إلهيٌّ يُقوّيها لتبلغ ذروتها العُظمى، فتصبح أكثر قدرةً على التحرّر من كل أشكال العبودية. وكل من وجّه إرادته وعبوديته إلى الله وحده تحرّر من الخوف من الخلق، ومن الظروف، ومن المستقبل، ونال الطمأنينة التي لا تُشترى.

فالطمأنينة هي الدليل القاطع، وهي المؤشر الذي يُظهر إن كان العبد صاحبَ إرادةٍ عاليةٍ جعلته حرًّا بعبوديته لله، أو ذا إرادةٍ مهزومةٍ قادته إلى عبوديةٍ لغيره، فهاجمته نفسه التي بُرمجت لتصنع له اضطرابًا كلما ضعفت إرادته وانحرفت عبوديته عن وجهتها نحو الله.

ومن أمثلة ذلك الاضطراب الخذلان الذي يشعر به الإنسان حين يصنع المعروف لأجل الناس لا لأجل الله، فيتحول الخير إلى ألمٍ إذا لم يُقابَل بتقدير، كجحود الأهل أو الأبناء أو الأصدقاء أو الزوج أو الزوجة. وكذلك حين يسعى الإنسان إلى النجاح ليُرضي الناس أو يُثبت ذاته أمامهم، لا لابتغاء وجه الله ورفع إرادته لتعينه على عبوديته، فيجد نفسه في قلقٍ دائمٍ رغم إنجازاته، لأن الإرادة خرجت عن مسارها الأصلي.

ومن صور الهجوم النفسي أيضًا الإحباط والسخط حين لا تتحقق التوقعات، أو حين يُبتلى الإنسان في خُلق الثقة بالله من خلال الابتلاءات، ذلك الخلق الذي يُعبّر عنه بالرضا والصبر على البلاء، وهما مظهران من مظاهر الإيمان بحكمة الله وتقديره. وكذلك الغضب الدفين حين يُفضَّل غيره عليه في النعم، أو الغيرة التي تنهش قلبه لأنه فقد بوصلته الداخلية حين ابتُلي بحسن الظن بالله وتوقيره، وهو ذات الابتلاء الذي سقط فيه إبليس عندما خلق الله آدم.

وهذا الضبط لنظام النفس بهذا الشكل إنما هو من أجل أن تعود فتعيد توجيه إرادتك وتبحث عن الطريق الذي يعيدك إلى عبودية الله وحده؛ فهو نظامٌ دقيقٌ موزونٌ يردّك إلى مركزك كلما انحرفت، ويذكّرك بأن الاضطراب ليس عقوبةً بل بوصلة. فإذا أحسنت قراءة هذه الإشارات وضبطت نفسك ونيّتك، أصبحت إرادتك أقوى وأصفى، تعمل في انسجامٍ مع الفطرة والغاية الإلهية، فتصل إلى عبودية الله التي تُثمر الطمأنينة، وهي أرقى درجات السلام الداخلي، وأصدق علامةٍ على إرادةٍ عظيمةٍ أفضت إلى توحيد العبودية لله وحده، فأصبحت تلك النفس حرّةً طليقةً من كل قيود النفس واضطراباتها

السبت، 22 نوفمبر 2025

"تنامي المثلية الجنسية في المجتمعات العربية والإسلامية: تحليل سوسيولوجي في ضوء التحولات القيمية والفضاء الرقمي"


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/ منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي/ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!  

المقدمة : 

شهدت المجتمعات العربية والإسلامية خلال العقدين الأخيرين نقاشًا واسعًا حول المثلية الجنسية، التي كانت تُعدّ موضوعًا مسكوتًا عنه لسنوات طويلة. هذا الحضور المفاجئ والمتنامي للظاهرة في النقاشات العامة وفي وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أثار تساؤلات حول جذورها، دوافع انتشارها، وحدود تأثير العولمة الرقمية على تشكيل السلوك والهويات الفردية. ورغم أنّ المرجعية الدينية والثقافية لهذه المجتمعات لا تزال تعتبر المثلية سلوكًا محرّمًا ومرفوضًا، فإنّ بروزها المتزايد يستدعي مقاربة علمية تدرس الظاهرة بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

أولًا: الإطار المفاهيمي للظاهرة

1. تعريف المثلية الجنسية

تشير المثلية الجنسية إلى الانجذاب العاطفي أو الجسدي نحو شخص من نفس الجنس. وفي العلوم الاجتماعية يُصنّف هذا الانجذاب ضمن “الهويات الجندرية غير التقليدية”.

2. المثلية بين الثقافة والدين

في المجتمعات الإسلامية، تستند المواقف من المثلية إلى خلفية فقهية وعقدية تعتبرها فعلًا محرّمًا، وتربطها في الغالب بـ"الفواحش". لكن علم الاجتماع ينظر إليها كظاهرة اجتماعية ثقافية لها أسباب في البنية الاجتماعية والاقتصادية والاتصالية للمجتمع.

ثانيًا: عوامل انتشار الظاهرة في المجتمعات العربية والإسلامية

1. العولمة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي

الانفتاح الإعلامي الكبير.

انتشار المحتوى الغربي الذي يقدم المثلية كهوية عادية.

جماعات ضغط رقمية تنظم حملات عالمية لدعم "حقوق الميم".

2. التحولات القيمية والاضطراب الهوياتي

تراجع سلطة الأسرة التقليدية.

ضعف التأطير الديني لدى فئة من الشباب.

حالة التمرد على الضوابط الاجتماعية، خاصة لدى المراهقين .

3. العوامل النفسية والشخصية

تجارب الطفولة الصادمة (العنف الأسري، غياب الأب، التحرش).

اختلال التوازن العاطفي والبحث عن القبول والانتماء.

4. استثمار بعض المنظمات الدولية في الموضوع

عدد من المنظمات الغربية تربط الدعم المالي أو السياسي بضرورة إدماج “قضايا التنوع الجنسي”، وهو ما يخلق ضغطًا خارجيًا على المجتمعات العربية.

5. تفكك البنى الاجتماعية التقليدية

تأخر سن الزواج.

العزلة الاجتماعية.

الهجرة نحو المدن الكبرى حيث يقلّ الضبط الاجتماعي.

ثالثًا: تمثلات المثلية في الفضاء الافتراضي العربي

شهد الفضاء الرقمي العربي ازديادًا لافتًا في:

المحتوى الذي يروّج للمثلية باعتبارها “حرية شخصية”.

القصص والشهادات الفردية التي تجعل من المثلية “هوية اجتماعية”.

حملات إلكترونية تتحدى القيم الدينية والثقافية التقليدية.

أصبح العالم الافتراضي أحد أهم فضاءات التطبيع مع الظاهرة، خصوصًا بين فئة المراهقين.

رابعًا: موقف المجتمعات العربية والإسلامية

ما تزال الأغلبية الساحقة في العالم العربي والإسلامي تُظهر رفضًا قويًا للمثلية، على المستويات:

الدينية

الأخلاقية

القانونية

الثقافية

وتُصنّف المثلية غالبًا ضمن “الممارسات الدخيلة” أو “نتاج الاستعمار الثقافي”.

لكن في المقابل، ظهرت فئات صغيرة تتبنى خطاب “التحرر الفردي” و"حق الهوية"، ما يخلق صدامًا بين تيارين: محافظ وتحرري.

خامسًا: الآثار الاجتماعية والثقافية للظاهرة

1. على الأسرة

خلخلة للأدوار الجندرية التقليدية.

ضعف ثقة الأسرة في المنظومة الإعلامية والتعليمية.

صراع بين الأجيال حول المفاهيم الأخلاقية.

2. على الشباب

زيادة الارتباك الهوياتي.

تفشي خطاب “التجريب الجنسي”.

انقسام بين التقليد والحداثة.

3. على المنظومة القيمية

تحديات لأعمدة الأخلاق العامة.

بروز سؤال جديد حول: من يحدد القيم؟ الدين؟ أم الفرد؟

سادسًا: مقترحات للمعالجة والوقاية

1. تعزيز الوعي الأسري

دعم الحوار داخل الأسرة.

مراقبة المحتوى الرقمي مع احترام خصوصية الأبناء.

2. تعزيز التربية الدينية المعتدلة

خطاب ديني علمي، بعيد عن العنف، يوضح الموقف الإسلامي وأبعاده النفسية والاجتماعية.

3. دعم الصحة النفسية

توفير مراكز استشارة للشباب لمعالجة:

القلق

الاضطراب الهوياتي

آثار التحرش أو الصدمات

4. بناء خطاب إعلامي بديل

إنتاج محتوى يعزز القيم الأسرية ويواجه التطبيع الإعلامي.

5. تشجيع البحث العلمي

ضرورة وجود دراسات عربية رصينة عن أسباب انتشار المثلية بعيدًا عن الخطاب الانفعالي.

الخاتمة : 

إنّ تنامي ظاهرة المثلية الجنسية في المجتمعات العربية والإسلامية ليس مجرد “انتشار لسلوك معين”، بل هو نتاج تحولات عميقة يعيشها العالم الرقمي والثقافي والنفسي.

وفهم هذه الظاهرة يتطلب مقاربة شمولية علمية، تأخذ بعين الاعتبار السياق الديني والقيمي، مع تطوير سياسات تربوية وإعلامية وصحية تحفظ تماسك المجتمع وتحمي الشباب من الاضطرابات الهوياتية في زمن تسارعت فيه التغيرات بشكل غير مسبوق.

التحولات الدينية في العالم العربي : دراسة في صعود الظاهرة الإلحادية


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي....!!!

مقدمة : 

ظاهرة الإلحاد في المجتمعات العربية لم تظهر فجأة، بل هي نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية ونفسية وفكرية. ويمكن تلخيص أهم الأسباب التي جعلت هذه الظاهرة تتمادى وتزداد انتشارًا في النقاط التالية:

1. ضعف الخطاب الديني التقليدي

كثير من الخطباء والدعاة يكررون نفس الخطاب دون تجديد أو معالجة عميقة لأسئلة الجيل الجديد.

غياب الحوار العلمي والردود المنهجية على الشبهات جعل بعض الشباب يبحثون عن إجابات خارج الأطر التقليدية.

2. الصراعات السياسية والدينية

ارتباط الدين أحيانًا بالسلطة أو الصراع السياسي يؤدي إلى نفور الشباب منه.

مشاهدة التطرف والعنف باسم الدين تجعل البعض يربط بين الدين وبين التخلف أو القمع.

3. تطور التكنولوجيا والانفتاح الإعلامي

الإنترنت ومواقع التواصل كشفت الشباب على أفكار جديدة ونقاشات فلسفية لم تكن متاحة من قبل.

تأثير المحتوى الإلحادي أو المشكك، خاصة عند غياب المحتوى العلمي والديني القوي.

4. الأزمات الاجتماعية والاقتصادية

الفقر، البطالة، وانعدام الفرص تجعل الشباب في حالة إحباط، ما يدفع البعض للنقمة على كل شيء بما فيه المعتقدات.

الإحساس بعدم العدالة والظلم يولد شكًا في جدوى القيم الدينية.

5. ضعف التعليم والفكر النقدي

المناهج التعليمية في أغلب الدول العربية تعتمد الحفظ دون الفهم.

غياب تعليم الفلسفة والمنطق يؤدي إلى جيل لا يعرف كيف يفكر نقديًا أو كيف يجيب عن الأسئلة الوجودية.

6. سوء تمثيل الدين

سلوكيات بعض المتدينين، من نفاق أو تشدد أو فساد، تُحدث رد فعل سلبي لدى الشباب.

الفجوة بين الخطاب الديني المثالي والواقع الذي يعيشه الناس.

7. البحث عن الحرية الفردية

بعض الشباب يرى أن الدين – كما يمارس اجتماعيًا – يفرض قيودًا كثيرة.

فيخلطون بين الدين الحقيقي وبين الأعراف الاجتماعية الثقيلة.

كيف يمكن معالجة الظاهرة؟

تجديد الخطاب الديني ليصبح عقلانيًا وعلميًا ومقنعًا.

فتح الحوار مع الشباب بدل الحكم عليهم أو اتهامهم.

تحسين التعليم وإدماج الفلسفة والمنطق في المناهج.

التعامل مع الشبهات بموضوعية وبأسلوب علمي هادئ.

إصلاح الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الناس نحو الإحباط والشك.

المبدأ الداتي في نظرية ابن منظور بين الحداثة المعاصرة


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.... !!!.

العنوان الذي طرحته أمام القارئ اليوم :  “المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور بين الحداثة المعاصرة” يمكن أن يكون أساسًا لدراسة فكرية لغوية أو فلسفية تربط بين التراث اللغوي العربي ومفاهيم الذات والحداثة.

فيما يلي معالجة أكاديمية مقترحة لهذا الموضوع، مع توضيح المقصود بالمبدأ الذاتي وكيفية مقارنته بالفكر المعاصر:

 المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور بين الحداثة المعاصرة

 أولاً: مدخل عام

يُعدّ ابن منظور (630هـ – 711هـ)، صاحب لسان العرب، من أبرز علماء اللغة الذين أسّسوا لفكرٍ لغويّ يقوم على مركزية الإنسان في إنتاج المعنى.

فمعجمه الضخم لم يكن مجرد حصرٍ للألفاظ، بل مشروعًا لفهم الذات العربية من خلال لغتها، إذ يرى أن اللغة مرآة الفكر والوجدان والهوية.

ومن هنا، يمكن القول إن في فكر ابن منظور ملامح لما يمكن تسميته بـ “المبدأ الذاتي”، أي إدراك اللغة بوصفها نابعة من الإنسان ومعبّرة عن تجربته في العالم.

 ثانياً: المبدأ الذاتي عند ابن منظور : 

1. اللغة كأثر ذاتي للإنسان

ابن منظور ينطلق من أن اللغة ليست مجرّد رموزٍ اصطلاحية، بل هي نتاج التجربة الإنسانية.

فالإنسان – في تصوّره – يُسمي الأشياء بحسب إحساسه بها، فيربط الاسم بالفعل والصفة بالمعنى، مما يجعل المعجم في جوهره سجلاً للذات العربية عبر الزمن.

2. المعجم مرآة للوعي الجمعي

من خلال ترتيبه وتعريفاته، يظهر ابن منظور كمن يحاور الأمة عبر لغتها، فيحافظ على الذاكرة الجمعية ويمنحها تماسكاً ضد التغير.

هذا التوجّه يُبرز “الذات اللغوية” بوصفها أساس الهوية الثقافية.

3. المبدأ الذاتي والبعد الأخلاقي

في شرحه للألفاظ الأخلاقية والاجتماعية (مثل: العدل، الصدق، الشرف...)، لا يقدّم ابن منظور معنى جامداً، بل معنى مرتبطاً بالقيم والتجربة الإنسانية، مما يكشف عن فهم عميق للعلاقة بين الذات واللغة.

 ثالثاً: المبدأ الذاتي في ضوء الحداثة المعاصرة

في الفكر المعاصر، خصوصاً مع الفلسفة الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية، برز مفهوم الذات بوصفها المنتج الأول للمعنى، وهو ما يُشبه إلى حد بعيد ما نلمحه في منهج ابن منظور.

عند ديكارت: الذات هي محور المعرفة ("أنا أفكر إذن أنا موجود").

عند هوسرل وهايدغر: الوعي بالذات شرط لكل تجربة معرفية.

في النقد اللغوي الحديث: اللغة ليست مجرد أداة بل كيان وجودي يصوغ الذات.

هنا يمكن القول إن ابن منظور – رغم كونه من القرن السابع الهجري – سبق حداثة اللغة في تركيزه على الذات المنتجة للمعنى، وإن بطريقة غير فلسفية صريحة.

 رابعاً: المقارنة بين المنهجين

المحور ،: ابن منظور الفكر الحداثي المعاصر

منطلق المعنى : الذات الجمعية (الأمة، الوجدان العربي) الذات الفردية المفكرة

وظيفة اللغة : حفظ الهوية والمعرفة خلق المعنى وتفكيكه

رؤية الذات ذات مندمجة في الجماعة ذات مستقلة ناقدة

الغاية :  صون اللغة وتفسيرها مساءلة اللغة وتفكيكه .

ورغم الاختلاف في الغاية، فإن المنطلق واحد: اللغة هي أداة الإنسان لفهم العالم، لا مجرد وعاء جامد.

 خامساً: الخلاصة

يمكن النظر إلى “المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور” كجسرٍ بين التراث اللغوي العربي والفكر اللغوي الحديث.

فابن منظور، بوعيه اللغوي والإنساني، قدّم نموذجاً مبكراً لاعتبار اللغة كياناً حياً ينبع من الذات الإنسانية، وهو ما يجعل فكره منفتحاً على قراءة حداثية تربط الماضي بالحاضر.

خاتمة : 

إن إعادة قراءة تراث ابن منظور في ضوء الفكر الحداثي ليست عودة إلى الماضي، بل هي محاولة لإحياء المبدأ الذاتي في ثقافتنا، وتأكيد أن اللغة العربية ليست مجرد تراث لغوي، بل مشروع وجودي إنساني يواكب الحداثة ويمنحها عمقاً روحياً ومعرفياً .

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

دور إمارة المؤمنين في استتباب الأمن والإستقرار بإفريقيا


 
بقلم : د خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي....!!!

مقدمة : 
تُعدّ إمارة المؤمنين في المملكة المغربية إحدى المؤسسات الدستورية الراسخة التي اكتسبت شرعيتها من عمقها الديني والتاريخي، ومن قدرتها على تحقيق التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر. وقد تجاوز تأثير هذه المؤسسة المجال الوطني ليشمل الفضاء الإفريقي، خصوصًا دول غرب إفريقيا التي ترتبط تاريخيًا وروحيًا بالمغرب. وقد شكّلت هذه الروابط الدينية والصوفية والعلمية أساسًا لتعاون استراتيجي أسهم بوضوح في تعزيز السلم الديني، ومحاربة التطرف، وبناء الاستقرار داخل عدد من البلدان الإفريقية.
أولاً: الأسس الدينية والتاريخية للعلاقة بين إمارة المؤمنين وإفريقيا
1. الروابط الروحية والصوفية
لعبت الطرق الصوفية المغربية (كالطريقة التيجانية والقادرية) دورًا محوريًا في دخول الإسلام وانتشاره بالقارة الإفريقية.
تمتعت الزوايا المغربية من فاس وتافيلالت وسوس بمكانة مرجعية لدى المجتمعات الإفريقية، مما جعلها معابر لنشر الاعتدال والتصوف السني.
👈2. السلطان المغربي كمرجعية دينية
تاريخيًا، كان الملوك المغاربة يُعتبرون حماة الملة والدين، تتجاوز مكانتهم الحدود الجغرافية نحو إفريقيا الجنوبية والصحراء الكبرى.
هذا الامتداد التراثي منح إمارة المؤمنين اليوم قيمة رمزية مؤثرة في الوعي الجماعي الإفريقي.
ثانياً: الدور الديني لإمارة المؤمنين في تعزيز الاستقرار بإفريقيا
1. نشر نموذج الإسلام المغربي المعتدل
تقوم إمارة المؤمنين على أسس المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهو نموذج وسطي يحارب الغلو، وقد أصبح مرجعاً للدول الإفريقية التي تواجه صعود التيارات المتشددة.
2. تكوين الأئمة والمرشدين الأفارقة
أحدث المغرب معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي يستقبل سنويًا مئات الطلبة من مالي، السنغال، نيجيريا، غينيا، ساحل العاج وغيرها.
👈هذا البرنامج:
يؤهل خطباء معتدلين.
يخلق نخبًا دينية قادرة على مواجهة الفكر المتطرف.
يعيد تنظيم الحقل الديني داخل إفريقيا.
3. دعم إصلاح الحقل الديني بإفريقيا
قدّم المغرب خبرته في:
توحيد الخطاب الديني.
ضبط الفتوى.
تكوين المجالس العلمية.
تأطير الزوايا والطرق الصوفية.
وقد طلبت عدد من الدول الإفريقية الاستفادة من هذا النموذج لقدرته على محاربة التطرف العنيف.
ثالثاً: الدور الأمني والاستراتيجي لإمارة المؤمنين بإفريقيا
1. مواجهة التطرف والإرهاب
👈اعتمد المغرب مقاربة شمولية قائمة على:
التجفيف الفكري لمصادر التطرف.
تعزيز الأمن الروحي.
دعم التعاون الأمني والاستخباراتي مع الدول الإفريقية.
وقد أصبحت التجربة المغربية مرجعًا إقليميًا تُستفاد منه في مالي، تشاد، موريتانيا، والنيجر.
2. دور التصوف في دعم السلم الاجتماعي
يتقاطع حضور الزوايا الطريقة التجانية والقادرية وغيرها مع توجه إمارة المؤمنين، الأمر الذي ساهم في:
خلق شبكات روحية عابرة للحدود.
تخفيف حدّة الصراعات العرقية والطائفية.
بناء جسور الحوار بين مكونات المجتمعات الإفريقية.
👈3. تعزيز الأمن مما قبل التطرف (Prevention)
تعمل إمارة المؤمنين على معالجة جذور الظاهرة الإرهابية، من خلال:
محاربة الأمية الدينية.
نشر ثقافة التسامح.
إدماج الشباب في برامج دينية معتدلة.
الانفتاح على البعد الإفريقي داخل المؤسسات التعليمية الدينية المغربية.
👈رابعاً: الدبلوماسية الروحية للمغرب في إفريقيا
1. زيارات ملكية ذات طابع ديني واستراتيجي
👈قادت جولات الملك محمد السادس عبر إفريقيا إلى:
👈توقيع اتفاقيات تعاون ديني.
👈إنعاش الروابط التاريخية بين المغرب والجماعات الصوفية الكبرى.
👈دعم الحركات الإصلاحية داخل المجتمعات الإفريقية.
👈2. بناء علاقات ثقة مع القيادات الدينية الإفريقية
👈من خلال:
👈دعم الزوايا.
ترميم الأضرحة والمراكز الدينية.
إرسال بعثات علمية مغربية إلى إفريقيا لتدريس العلوم الشرعية.
👈3. التعاون الإفريقي – الإفريقي
“الدبلوماسية الروحية” أصبحت آلية ناعمة لتعزيز الاستقرار السياسي، بحيث يقدّم المغرب نموذجًا جديدًا للدبلوماسية مبنيًا على الدين المشترك بدل منطق القوة.
👈خامساً: الأثر العام لإمارة المؤمنين على الأمن والاستقرار بإفريقيا
👈1. تحسين شروط السلم الأهلي
👈نموذج إمارة المؤمنين أسهم في:
تقليل الصراعات الدينية.
محاصرة التيارات الراديكالية.
تعزيز التماسك داخل الدول الضعيفة.

👈2. ترسيخ التعاون الأمني والروحي
يشكّل البعد الديني للمغرب جسرًا لتعاون أمني واسع، حيث تعتمد دول عديدة على الخبرة المغربية في مكافحة الإرهاب العابر للحدود.
👈3. تقوية الهوية الدينية المشتركة

👈يساهم هذا النموذج في تجديد حضارة الإسلام الإفريقي المشرق الذي يجمع بين العلم والروحانية والسلم.
خاتمة : 
إنّ دور إمارة المؤمنين لا يقتصر على تدبير الشأن الديني داخل المغرب، بل يمتد ليشكّل قوة استقرار داخل إفريقيا، عبر نشر قيم الإسلام المعتدل، وإعادة تأهيل الحقل الديني، ومحاربة التطرف، وتعزيز الروابط الروحية بين الشعوب. وقد سمح هذا الدور للمغرب بأن يصبح فاعلًا محوريًا في بناء السلم الإقليمي، وجعل من “الدبلوماسية الدينية” أداة استراتيجية لتعزيز الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية.

الخميس، 20 نوفمبر 2025

قصيدة شعرية مهداة لابني حمزة مزضوضي

 



قصيدة مهداة الى ابني حمزة مزضوضي 

يا حَمْزَةَ ابنَ المَجْدِ يا بَحْرَ الكَرَمْ
وَيَفيضُ نُورُكَ في البَرِيَّةِ كَالحُلُمْ

يا نَسْلَ "مِزْضُوضِي" عَزِيزُ مَقامِهِ
تَسْمُو الفِعالُ وتَرْتَقِي نَفْسُ الهِمَمْ

أنْتَ البَهاءُ إذا تَبَسَّمَ وَجْهُهُ
تَزْهُو البِلادُ وتَغْتَدي نَبْعَ النِّعَمْ

أنْتَ العَزِيمَةُ في الشَّبابِ تَفَجَّرَتْ
نُوراً يُبَارِكُهُ الإلَهُ ذُو الكَرَمْ

سَيِّدُ الرِّجالِ إذا تَكَلَّمَ صَادِقٌ
لا يَرْتَضِي بِالزُّورِ أوْ قَوْلِ التُّهَمْ

أنْتَ الفَتى الَّذي اسْتَقَامَ بِعِزَّةٍ
وَتَحَلَّتِ الآدابُ فِيهِ وَالحِكَمْ

يا مَنْ يَسِيرُ إلى العُلا بِعَزِيمَةٍ
تَرْفَعْ بِهَا الرّايَاتِ فَوْقَ القِمَمْ

أنْتَ الأَمِينُ إذا الوُجُوهُ تَبَدَّلَتْ
وَالعَهْدُ ضَاعَ فَأَنْتَ نِعْمَ المُعْتَصَمْ

أبُوكَ خَلِيفَةُ سَيِّدٌ في عِزِّهِ
نَسَبٌ كَرِيمٌ، في العُلا خَيْرُ القِسَمْ

فَسِرِ الحَيَاةَ مُوَقَّرًا بِتُقًى وَهُدًى
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الحَقَّ يَرْفَعُ مَنْ ظَلَمْ

يا نَجْمَ "مِزْضُوضِي" تَلَألَأَ فِي السَّمَا
سِرْ واثِقًا، فَالنُّورُ يَسْكُنُ فِي القِمَمْ

إهــداءٌ مِـنْ أَبِـيـكَ خَـلِـيـفَـةٍ مُـغْـرَمٍ
بِـحَـمْـزَةَ الفَخْرِ، زَيْنِ أهْلِ الكَرَمْ.

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس 
منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي 

ظاهرة الإدمان على الألعاب الإلكترونية والتجمع في (الكولد روم ) دراسة سوسيولوجية ونفسية

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي ....!!!! دراسة سوسيولوجية ونفسية** مقدمة : شهدت المجتمعات العربية خلال العقدين الأخيرين تحولات رقمية متسارعة، كان من أبرز تجلياتها انتشار الألعاب الإلكترونية والمنصّات التفاعلية المباشرة. وقد أدى هذا الانتشار إلى بروز أنماط جديدة من السلوك الشبابي، من بينها الإدمان على الألعاب الإلكترونية وظهور ثقافة التجميع في ما يسمى بـ"الكولد روم" (Cold Room)، وهي فضاءات تجمع اللاعبين في أماكن مغلقة مهيأة بتقنيات التبريد والإضاءة والشاشات الحديثة، مما يخلق بيئة انعزالية تفاعلية ذات خصوصية. هذه الظاهرة تستدعي تحليلاً يُبرز دوافع الشباب إليها، وانعكاساتها النفسية والاجتماعية، وآفاق التعامل معها تربوياً ومجتمعياً. أولاً: مفهوم الإدمان على الألعاب الإلكترونية الإدمان على الألعاب الإلكترونية هو حالة من الارتباط القهري بالألعاب تجعل الفرد يقضي ساعات طويلة جداً أمام الشاشة، مع فقدان السيطرة على الوقت وتأجيل الالتزامات الدراسية والاجتماعية. أبرز العلامات: اللعب لأكثر من 6 ساعات يومياً على حساب النوم والدراسة. التوتر والانزعاج عند غياب الإنترنت أو منع اللعب. التفكير المتواصل في اللعبة حتى خارج وقت اللعب. تراجع العلاقات الاجتماعية. انخفاض الأداء الدراسي أو المهني. وقد اعتمدت منظمة الصحة العالمية سنة 2019 "اضطراب الألعاب الإلكترونية" كمرض سلوكي. ثانياً: ظاهرة “الكولد روم” عند الشباب . يشير مفهوم الكولد روم إلى فضاءات باردة ذات تجهيزات حديثة تجمع اللاعبين في قاعات مغلقة، أصبحت شائعة خصوصاً في المغرب ودول الخليج والشمال الإفريقي. خصائص الكولد روم: درجة حرارة منخفضة (لتحسين أداء الأجهزة وتوفير تركيز أعلى). شاشات كبيرة عالية الدقة. إضاءة LED وديكورات تشبه أماكن “الجيمينغ”. مقاعد ألعاب احترافية. جو شبه معزول عن العالم الخارجي. أسباب الإقبال عليها: 1. الهروب من ضغط الواقع: مشاكل أسرية، بطالة، ملل. 2. البحث عن الهوية والانتماء داخل مجموعات اللاعبين. 3. الشعور بالخصوصية بعيداً عن رقابة الأسرة. 4. المتعة والتحدي وتحقيق إنجازات افتراضية. 5. التفاعل الجماعي مع شباب يشتركون في نفس الاهتمامات. ثالثاً: الأسباب العميقة لانتشار الظاهرة . 1. أسباب نفسية : الرغبة في تعويض النقص أو الفشل الواقعي بنجاحات داخل اللعبة. ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب في أوساط الشباب. الاستجابة السريعة للدماغ بفعل الإثارة والإشارات البصرية الحادة. 2. أسباب اجتماعية : ضعف الروابط الأسرية. غياب المرافق الشبابية البديلة. انتشار البطالة والانقطاع الدراسي. ضغط المجتمع الرقمي وثقافة الـInfluencers. 3. أسباب تقنية : الإنترنت القوي والميسور. توفر أجهزة لعب رخيصة. إعلانات الألعاب التي تستهدف المراهقين. رابعاً: الآثار السلبية للإدمان والكولد روم 1. آثار نفسية القلق، العصبية، نوبات الغضب. ضعف التركيز. مشاكل في النوم. 2. آثار اجتماعية الانعزال عن الأسرة. تراجع العلاقات الواقعية لصالح علاقات افتراضية. اختفاء الحسّ الاجتماعي والمسؤولية. 3. آثار دراسية ومهنية ضعف التحصيل الدراسي. التأخر عن العمل أو فقدان الوظيفة. 4. آثار صحية : السمنة أو الهزال. مشاكل في النظر. آلام الرقبة والظهر. خامساً: الآثار الإيجابية المحتملة (إذا استُعملت بشكل معتدل) تطوير مهارة التركيز وسرعة رد الفعل. تحسين مهارات حلّ المشكلات. بعض الألعاب ترفع من الذكاء البصري المكاني. فرص للاحتراف في الرياضات الإلكترونية بطريقة منظمة. سادساً: آليات المواجهة والوقاية 1. على مستوى الأسرة : وضع “قانون رقمي” للعب: توقيت محدّد. مراقبة نوعية الألعاب. تعزيز الحوار بدل المنع القسري. 2. على مستوى المدرسة ،: دورات توعية حول مخاطر الإدمان. إدماج التربية الرقمية في المناهج. 3. على مستوى الدولة : خلق بدائل شبابية: أندية رياضية وثقافية. تأطير فضاءات الألعاب. 4. على مستوى الأفراد : الوعي الذاتي وتحديد أوقات اللعب. ممارسة الرياضة لتقليل التوتر. الانخراط في أنشطة واقعية. خاتمة : إن ظاهرة الإدمان على الألعاب الإلكترونية وفضاءات “الكولد روم” تعكس تحولاً ثقافياً رقمياً عميقاً في المجتمعات العربية. ورغم ما تحمله من مكاسب، فإن مخاطرها تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين الأسرة والمدرسة والمجتمع. يبقى التوازن هو الحلّ: الاستفادة من العالم الرقمي دون السقوط في فخّ العزلة والإدمان.

ظاهرة :العقل بين الإنتماء والبديل : دراسة في الهجرة الذهنية المعاصرة

بقلم : د خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي ؛ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي...!!! مقدمة ،: شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحوّلات عميقة في أنماط التفكير والتمثلات الثقافية، خاصة بين فئة الشباب. ومن أبرز هذه التحولات ما يُعرف بـ الهجرة الذهنية، وهي عملية انتقال فكري وقيمي من منظومة ثقافية واجتماعية محدّدة نحو أخرى تُ perceived أكثر جاذبية أو اتساقاً مع طموحات الفرد. ولا ترتبط هذه الهجرة بالمكان الجغرافي، بل تحدث داخل العقل والوعي، حيث يبحث الفرد عن “البديل” الذي يمنحه معنى، وانتماءً، وفرصاً جديدة للتموقع الرمزي والاجتماعي. أولاً: مفهوم الهجرة الذهنية تشير الهجرة الذهنية إلى انتقال الفرد من نظام معرفي أو قيمي إلى نظام آخر، دون مغادرة المجال الجغرافي. وهي شكل من أشكال الانفصال الهادئ عن الموروث أو الواقع السائد، واستبداله بنموذج بديل مستمد من ثقافات أو مرجعيات خارجية. خصائص الهجرة الذهنية 1. لا ترتبط بالانتقال المادي بل هي حركة فكرية داخل الوعي. 2. تتسم بالتدريجية؛ فهي لا تحدث فجأة بل عبر مراحل. 3. مصحوبة بسلوكيات جديدة تعبّر عن النموذج البديل. 4. تُحدث قطيعة عميقة مع بعض القيم والتقاليد المحلية. ثانياً: دوافع الهجرة الذهنية 1. العوامل الثقافية التغريب الثقافي بفعل وسائل الإعلام والمنصّات الرقمية. النموذج الغربي أو العالمي الذي يتم تقديمه باعتباره “النموذج الأفضل”. ضعف جودة المحتوى المحلي البديل. 2. العوامل الاجتماعية اتساع الفجوة بين طموحات الشباب وقدرة المجتمع على الاستجابة. ضعف القدوة الاجتماعية. تفكّك شبكات التنشئة التقليدية (الأسرة، المدرسة، المسجد). 3. العوامل الاقتصادية البطالة وقلة فرص التطور. فقدان الثقة في الحراك الاجتماعي داخل الواقع المحلي. رؤية “البديل الخارجي” كنافذة للنجاح. 4. العوامل النفسية الشعور بالإحباط أو عدم الانتماء. الرغبة في التحرر الفردي. الحاجة إلى معنى وهوية جديدة. ثالثاً: مظاهر الهجرة الذهنية 1. تبنّي قيم وأساليب عيش أجنبية دون انسجام مع السياق المحلي. 2. إعادة تعريف الهوية الفردية على أساس عالمي لا محلي. 3. التشكيك في المؤسسات التقليدية (الأسرة، الدولة، الدين). 4. الانتقال لاستهلاك ثقافي جديد (الفكر، الفن، الموضة، اللغة) 5. الانسحاب من الشأن العام المحلي والانشغال بعوالم افتراضية بديلة. رابعاً: الهجرة الذهنية في المجتمعات العربية تتزايد الظاهرة في العالم العربي بفعل: ضعف السياسات الثقافية العامة. غياب مشروعات فكرية وطنية قادرة على إلهام الشباب. التأثير الواسع للإنترنت وثقافة العولمة. ارتفاع معدلات الشعور بعدم العدالة أو عدم الجدوى. وتتخذ الهجرة الذهنية أشكالاً متنوعة: هجرة نحو الغرب فكرياً وقيمياً. هجرة نحو الماضي عبر الانغلاق على نماذج تراثية متشددة. هجرة نحو العوالم الافتراضية في الألعاب، التيك توك، المجتمعات الرقمية… خامساً: البحث عن البديل لا تحدث الهجرة الذهنية من فراغ؛ فهي نتيجة بحث فعلي عن بديل أكثر إقناعاً من الواقع. وقد يكون هذا البديل: 1. بديلاً معرفياً تبنّي أفكار فلسفية أو علمية جديدة تُعطي للفرد تفسيرات بديلة للوجود. 2. بديلاً قيمياً الانتقال من القيم التقليدية إلى قيم فردانية أو ليبرالية أو عالمية. 3. بديلاً اجتماعياً الانتماء إلى مجموعات افتراضية أو رمزية، أو تبنّي هوية عابرة للحدود. 4. بديلاً اقتصادياً البحث عن نماذج اقتصادية خارجية تَعِدُ بالتمكين والتحرّر من القيود. سادساً: الآثار المترتبة على الظاهرة آثار إيجابية انفتاح على العالم وتوسيع آفاق المعرفة. تعزيز الابتكار والخيال. نقد الذات وإعادة التفكير في المسلّمات. آثار سلبية ضعف الانتماء الوطني. قطيعة مع الهوية الثقافية المحلية. انقسام داخل الأجيال والمجتمع. اختلال العلاقة بين الفرد ومؤسسات الدولة. سابعاً: مقترحات للحدّ من الهجرة الذهنية السلبية 1. تعزيز التعليم النقدي وإصلاح المناهج. 2. بناء محتوى ثقافي محلي قوي قادر على المنافسة. 3. إعطاء الشباب فرصاً حقيقية للاندماج في التنمية وصنع القرار. 4. إحياء مؤسسات التنشئة بطريقة معاصرة (مدرسة – أسرة – إعلام – فضاء ديني). 5. تقديم نماذج وقدوات وطنية ملهمة في مختلف المجالات. خاتمة إن الهجرة الذهنية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هي تعبير مباشر عن أزمة الوعي العربي في ظل تحولات عالمية كبرى. ولذلك، فإن فهمها وتحليل دوافعها يصبح ضرورة ملحّة لبناء رؤية مستقبلية تستثمر إيجابيات الانفتاح وتحمي في الوقت نفسه ثوابت الهوية والاستقرار.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

بحث أكاديمي: الاستنباط والاستقراء – دراسة منهجية مقارنة

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس و منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش آسفي ؛ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي...!!! المقدمة : يُعدّ الاستنباط والاستقراء من أهمّ المناهج العقلية التي اعتمد عليها الإنسان في بناء المعرفة، سواء في علم الإنسانية أو الطبيعية. وقد شكّلا معًا أساس التفكير الفلسفي والعلمي منذ اليونان إلى العصر الحديث، مرورًا بالمنطق الإسلامي الذي أولى لهما مكانة كبيرة في أصول الفقه وعلوم اللغة. يهدف هذا البحث إلى تقديم دراسة علمية مقارنة بين المنهجين، تُبرز مفهوم كل منهما، وطريقة عمله، ودوره المعرفي، ومجالات تطبيقه. أولاً: مفهوم الاستنباط 1. التعريف: الاستنباط هو انتقال العقل من قواعد عامة إلى نتائج خاصة لازمة عنها. وهو عملية عقلية تُستمد نتائجها من مقدمات يقينية، بحيث تُعد النتيجة جزءًا من المقدمات أو لازمة عنها. 2. الأساس الفلسفي: يقوم الاستنباط على مبدأ الضرورة المنطقية؛ فما دامت المقدمات صحيحة، فالنتيجة صحيحة بالضرورة. يعتمد عليه المنطق الأرسطي والرياضيات وعلوم القياس. 3. أنواع الاستنباط: القياس المنطقي: أكبر – أصغر – نتيجة الاستدلال الشرطي: مثل: إذا وُجدت العلة وُجد الحكم. الاستنباط الرياضي: البرهان الرياضي الذي يبدأ بمسلمات. 4. مثال تطبيقي (أصول الفقه) كل مسكر حرام. النبيذ مسكر. إذن النبيذ حرام. ثانياً: مفهوم الاستقراء 1. التعريف: الاستقراء هو انتقال الذهن من جزئيات متعددة إلى حكم عام يشمل تلك الجزئيات وغيرها مما يماثلها. وهو أساس المعرفة التجريبية. 2. الأساس الفلسفي: يقوم على الملاحظة والتجربة. نتائجه ظنية (احتمالية)، لأنها مبنية على عيّنات وليس على كل الحالات الممكنة. 3. أنماط الاستقراء: الاستقراء التام: جمع كل الجزئيات (نادر في العلوم الحديثة). الاستقراء الناقص: اعتماد عينة ممثلة، وهو المستخدم في البحث العلمي. الاستقراء الإحصائي: تعميم مبني على بيانات رقمية. 4. مثال تطبيقي (العلوم الطبيعية): بعد ملاحظة أن الحديد يتمدد دائماً بالحرارة، يتم تعميم قاعدة: المعادن تتمدد بالحرارة. ثالثاً: المقارنة بين الاستنباط والاستقراء 1. من حيث اتجاه التفكير: الاستنباط: من الكلي إلى الجزئي. الاستقراء: من الجزئي إلى الكلي. 2. من حيث درجة اليقين: الاستنباط: يقيني إذا صحت المقدمات. الاستقراء: ظني أو راجح؛ لأن التعميم مبني على ملاحظات محدودة. 3. من حيث أدوات العمل: الاستنباط: يعتمد على العقل والمنطق والبراهين. الاستقراء: يعتمد على التجربة والملاحظة والاختبار. 4. من حيث مجالات التطبيق: الاستنباط: علم المنطق، الرياضيات، أصول الفقه، الفلسفة. الاستقراء: الفيزياء والكيمياء، العلوم الاجتماعية، الأبحاث التجريبية، الإحصاء. رابعاً: التكامل بين المنهجين لا يُعدّ الاستنباط والاستقراء متعارضين، بل هما متكاملان. فالعلوم الطبيعية تبدأ بالاستقراء لجمع الظواهر، ثم تستعمل الاستنباط لتفسيرها ووضع قوانينها. وفي العلوم الشرعية، يتم غالباً الاستنباط من القواعد الأصولية، مع استعمال الاستقراء عند تتبع النصوص الجزئية لبناء قاعدة عامة. الخاتمة : يتّضح من خلال هذه الدراسة أنّ الاستنباط والاستقراء يشكلان معًا ركيزتين أساسيتين في بنية التفكير العلمي واللغوي والشرعي. فالاستنباط يمنح اليقين والدقة، بينما يوفر الاستقراء القدرة على اكتشاف القوانين وفهم الظواهر. ومن ثمّ فإنّ اعتماد منهج متوازن يجمع بينهما هو الطريق الأمثل في البحوث الأكاديمية الحديثة.

علم الدلالة : المفهوم ؛ النشأة ؛ المجالات ؛المناهج

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!! علم الدلالة: المفهوم، النشأة، المجالات، والمناهج مقدمة يُعدّ علم الدلالة (Semantics) أحد أهم فروع اللسانيات الحديثة، إذ يختصّ بدراسة المعنى في اللغة، وكيف تُنتج الكلمات والتراكيب والجمل دلالاتها، وكيف يفهمها المتلقي في سياقات مختلفة. وقد أصبح هذا العلم محورياً في الدراسات اللغوية لما له من أثر مباشر في فهم الخطاب، وتحليل النصوص، وتقويم عمليات التواصل. أولًا: مفهوم علم الدلالة يعرّف علم الدلالة بأنه العلم الذي يدرس المعنى اللغوي دراسة منهجية، سواء تعلّق هذا المعنى بالكلمة المفردة، أو التركيب، أو السياق، أو العلامات اللغوية وغير اللغوية. ويشمل هذا العلم دراسة العلاقات الدلالية بين الكلمات، وكيف يتغيّر المعنى بحسب المقام والنبرة والوضع الاجتماعي للمتكلم. ثانيًا: نشأة علم الدلالة وتطوّره رغم أن اهتمام العلماء بالمعنى قديم، منذ فلاسفة اليونان، ثم علماء العربية القدامى كالجاحظ، والفارابي، وابن جني، وابن فارس، فإنّ علم الدلالة بوصفه علماً مستقلاً لم يتبلور إلا مع أواخر القرن التاسع عشر، خاصة مع الباحث الفرنسي ميشيل بريال الذي ألّف كتابه الشهير “علم الدلالة” سنة 1897، ليُعلن بذلك تأسيس هذا الحقل العلمي. وفي القرن العشرين، تطور علم الدلالة مع المدارس اللسانية الجديدة، خاصة المدرسة البنيوية ثم التوليدية والتحليلية والمنطقية، وصولًا إلى اللسانيات المعرفية المعاصرة. ثالثًا: موضوعات علم الدلالة يدرس علم الدلالة مجموعة واسعة من الظواهر المعنوية، أبرزها: 1. دلالة المفردات الترادف التضاد الاشتراك اللفظي الشمول والخصوص التضمين المعجمي 2. دلالة التراكيب يعنى هذا الجانب بكيفية تغيّر المعنى بتغيّر البنية التركيبية للجملة. 3. دلالة السياق السياق هو مفتاح المعنى في كثير من الحالات، ويشمل: السياق اللغوي السياق الاجتماعي السياق الثقافي السياق المقامي 4. دلالة الاستعمال وهي الدلالة التي يكتسبها اللفظ نتيجة العرف اللغوي أو التداول الاجتماعي. 5. المعنى الحرفي والمعنى المجازي مثل الاستعارة، الكناية، المجاز المرسل، التوسع الدلالي… 6. التغير الدلالي أي تطور المعاني عبر الزمن وفق عوامل اجتماعية وثقافية. رابعًا: العلاقات الدلالية تشمل العلاقة بين الكلمات والمعاني التي تربط بينها، ومن أهمها: 1. الترادف مثل: السيف – الحسام. الترادف التام نادر، والأغلب ترادف جزئي. 2. التضاد مثل: ليل – نهار، خير – شر. 3. الاشتراك اللفظي اللفظ الواحد يدل على معانٍ مختلفة، مثل العين. 4. التضمين أن يتضمن معنى كلمة معنى كلمة أخرى، مثل: إنسان – رجل. 5. علاقة الجزء بالكل مثل: سيارة – عجلة. خامسًا: المدارس والمناهج الدلالية 1. المنهج البنيوي يركز على البنية الداخلية للغة، ويدرس العلاقات بين الوحدات الدلالية داخل النظام اللغوي. 2. المنهج التوليدي يربط بين المعنى والتركيب، ويعتبر المعنى ناتجًا عن البنية العميقة للجملة. 3. المنهج التداولي يهتم بالمعنى في الاستعمال، وبالعلاقة بين المتكلم والسياق والمقاصد. 4. المنهج المعرفي يرى المعنى جزءًا من التفكير البشري، ويهتم بالمجاز الذهني والخرائط المفهومية. سادسًا: أهمية علم الدلالة فهم النصوص الشرعية والأدبية والقانونية. تسهيل الترجمة ومعالجة اللغات الطبيعية. تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي اللغوية. تحليل الخطاب السياسي والإعلامي. تقويم المناهج التعليمية وتطويرها. خاتمة : يُعدّ علم الدلالة واحدًا من أهم الحقول اللسانية التي أسهمت في تجديد الدرس اللغوي، وإثراء بحث المعنى، وفهم طبيعة اللغة البشرية. ومع تطور العلوم العقلية والذكاء الاصطناعي، أصبح لعلم الدلالة دور محوري في معالجة اللغة وتفسيرها، مما يجعله علمًا متجددًا يستجيب لأسئلة العصر وتحدياته.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

علم المنطق: مفهومه، تطوّره، مباحثه، وأهميته المعرفية

مقدمة : يشكّل علم المنطق أحد أهم العلوم الإنسانية والعقلية التي تشكّلت حول سؤال مركزي: كيف نفكر تفكيرًا صحيحًا؟ فالمنطق هو الأداة التي تنظّم الفكر، وتضبط عملية الاستدلال، وتمنع العقل من الوقوع في التناقض أو الغلط. وقد اكتسب هذا العلم أهميته لكونه يُستعمل في الفلسفة، والفقه، والكلام، والرياضيات، والعلوم الطبيعية والاجتماعية، مما جعله أساسًا للمعرفة العقلانية. أولًا: تعريف علم المنطق المنطق لغةً: النطق والكلام. واصطلاحًا: هو علم يُبحث فيه عن القوانين العامة الصحيحة التي تحكم التفكير الإنساني، وتحدد ضوابط الحكم والاستدلال. وعرّفه الفارابي بأنه: > آلةٌ قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ. وبذلك يتّضح أن المنطق ليس علمًا نظريًا فحسب، بل هو منهج عملي الغاية منه صيانة العقل. ثانيًا: نشأة علم المنطق وتطوّره 1. عند اليونان يرتبط المنطق ارتباطًا وثيقًا باسم أرسطو، الذي يعدّ المؤسس الأول لعلم المنطق اليوناني. وقد دوّن كتبه المنطقية في مجموعة سميت بـ الأورغانون، التي مثّلت الأصول الأولى لهذا العلم. 2. عند العلماء المسلمين استوعب العلماء المسلمون المنطق وأعادوا بنائه وتطويره. ومن أبرز الأسماء: الفارابي: الملقّب بالمعلم الثاني. ابن سينا: صاحب إضافات عميقة في مباحث الحدّ والقياس. الغزالي: أدخل المنطق في العلوم الأصولية والفقهية. ابن رشد: أعاد قراءة أرسطو وشرح كتبه بدقة. وقد كان للمنطق الإسلامي أثر كبير في نقله إلى أوروبا في العصور الوسطى. 3. في العصور الحديثة ظهر المنطق الرياضي والرمزي مع بيرس، راسل، فريجه، ووايتهيد. ثم نشأت مناحٍ جديدة: المنطق الرياضي المنطق الصوري الحديث منطق العلاقات منطق القضايا والرموز ثالثًا: مجالات علم المنطق ومباحثه 1. منطق التصورات يدرس المفاهيم والأفكار قبل أن تُنسب إليها الأحكام، ومن مباحثه: الحدّ والتعريف الكليات الخمس: النوع، الجنس، الفصل، الخاصة، العرض 2. منطق التصديقات ويتناول القضايا والأحكام، وتشمل: القضايا الحملية القضايا الشرطية أقسام الحكم العقلي الاستدلال الصحيح 3. الاستدلال والقياس وهو أهم محور في المنطق: من مقدمات صحيحة نكتشف نتيجة صحيحة. مثال القياس: كل إنسان فانٍ عليّ إنسان = إذن عليّ فانٍ 4. المنطق الرياضي والرمزي يستخدم الرموز بدل العبارات اللغوية، ويستفيد منه علم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. رابعًا: مبادئ المنطق الأساسية من أهم المبادئ التي يعتمد عليها المنطق: 1. مبدأ الهوية: الشيء هو نفسه. 2. مبدأ عدم التناقض: لا يمكن للشيء أن يكون وألا يكون في الوقت نفسه. 3. مبدأ الثالث المرفوع: لا وسط بين النفي والإثبات. 4. مبدأ السببية: لا يحدث شيء بلا سبب. هذه المبادئ هي أساس التفكير العقلي السليم. خامسًا: أهمية علم المنطق للمنطق أهمية كبيرة في مجالات مختلفة، أبرزها: تقويم التفكير ومنع الوقوع في الأخطاء. تحليل الحجج وكشف المغالطات المنطقية. تقوية مهارات الخطاب والإقناع. تطوير البحث العلمي خاصة في الفلسفة والفقه. دعم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في العصر الحديث. فهم النصوص الدينية والفلسفية بشكل أدق. وقد لخّص الغزالي أهميته بقوله: > لا ثقة بعلم من لم يحط بالمنطق. سادسًا: المنطق والمغالطات يدرس المنطق أيضًا الأخطاء في التفكير، وتسمى "المغالطات"، مثل: مغالطة الشخصنة مغالطة السببية الكاذبة مغالطة الاحتكام للجمهور مغالطة التعميم المغلوط المغالطات اللغوية كشف هذه الأخطاء يعزز من قوة الحوار والحجة. خاتمة : علم المنطق هو حجر الزاوية في العلوم العقلية، إذ يمثل منهج التفكير السليم ووسيلته إلى الحقائق. ومن خلال قواعده، تمكن الإنسان من بناء العلوم، وتحليل الظواهر، وتطوير أدوات الاستدلال. ومع التقدم التكنولوجي يعود المنطق بقوة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، ليؤكد حضوره كعلم خالد متجدد.

ظاهرة الإسقاط والإحساس بالنقص عند الشباب

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .....!!! 🌟 ظاهرة الإسقاط والإحساس بالنقص عند الشباب 🧩 أولاً: تعريف الظاهرتين 1. الإسقاط النفسي (Projection): الإسقاط هو آلية دفاع نفسي يلجأ إليها الفرد لاشعوريًا، حين يعجز عن تقبّل صفات أو مشاعر سلبية في ذاته، فينسبها إلى الآخرين. فالشاب الذي يشعر بالغيرة أو الفشل قد يقول إن "الناس يحسدونه" أو "المجتمع لا يريد نجاحه"، بينما هو في الحقيقة يُسقط ما في داخله على محيطه. 2. الإحساس بالنقص (Inferiority Feeling): هو شعور داخلي بعدم الكفاية أو الدونية أمام الآخرين، ينشأ عندما يقارن الفرد نفسه بغيره في الجمال، أو المال، أو النجاح، أو المكانة الاجتماعية. ويعدّ هذا الإحساس طبيعياً إلى حدٍّ ما، لكنه يصبح مرضياً حين يتحول إلى حقد أو كراهية أو انسحاب من المجتمع. ⚖️ ثانياً: الأسباب النفسية والاجتماعية 1. وسائل التواصل الاجتماعي: تُضخّم الشعور بالنقص عبر المقارنات اليومية بصور "مثالية" لا تعبّر عن الواقع الحقيقي. 2. الأسرة والتنشئة: القسوة أو الإهمال أو التمييز بين الأبناء يولّد إحساساً بالدونية منذ الطفولة. 3. الفشل الدراسي أو المهني: الشعور بعدم النجاح في الحياة العملية يجعل الشاب يحمّل الآخرين المسؤولية (الإسقاط). 4. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: ضعف فرص العمل وغلاء المعيشة يزرع شعوراً بالعجز وفقدان الأمل. 5. الفراغ الروحي وضعف القيم: حين تغيب الثوابت الإيمانية والرضا بالقضاء، يزداد الإحساس بالنقص والضياع. 💡 ثالثاً: النتائج والآثار ضعف الثقة بالنفس وتراجع تقدير الذات. الحسد، الغيرة، والتنمّر بين الأقران. التقليد الأعمى للآخرين والبحث عن الاعتراف الزائف. العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي. تعطّل القدرات الإبداعية والطموح الحقيقي. 🌱 رابعاً: العلاج والوقاية 1. الوعي الذاتي: على الشاب أن يدرك نقاط قوته وضعفه بصدق، وأن يعمل على تطوير ذاته بدلاً من لوم الآخرين. 2. التربية الإيجابية: تشجيع الأبناء على الثقة بالنفس دون مقارنة بالآخرين. 3. الإرشاد النفسي والتربوي: توفير مراكز إصغاء للشباب في المدارس والجامعات. 4. التمكين الاقتصادي والاجتماعي: دعم المشاريع الشبابية ومبادرات العمل الذاتي. 5. الجانب الروحي: ترسيخ قيم الرضا والقناعة والإيمان بالقدر، فهي أساس التوازن النفسي. 🖋️ خاتمة: إن ظاهرة الإسقاط والإحساس بالنقص من أبرز مظاهر الاضطراب النفسي في زمن المظاهر والمقارنات. ومواجهتها تبدأ من المصالحة مع الذات، وتقبّلها كما هي، مع السعي الدائم للتطور دون النظر إلى ما عند الآخرين. فالشاب الواعي هو من يجعل من إحساسه بالنقص وقوداً للنجاح لا ذريعة للفشل.