الجمعة، 30 مايو 2025

نريد سيايين اصحاب ضمائر حية تضيء المغرب بالحق


 بقلم : خليفة مزضوضي : مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات وباحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي 

عندما أجلس أمام شاشاتنا المنيرة، بحثًا عن أخبار أو معلومات، أجد نفسي وجهاً لوجه مع مشاهد صادمة، تكشف حجم التناقض الذي نحياه. إعلانات تتوالى كالسيل، لا يجمع بينها شيء سوى التوقيت، أما المضامين، فحكاية أخرى من التفاوت الطبقي والاستغلال المغلف بالشعارات البراقة.

فمن جانب، تنهال علينا الإعلانات عن تجمعات سكنية جديدة، كمبوندات فاخرة في أرقى أحياء المدن المغربية ، بأسعار لا يسمعها المواطن البسيط إلا في الأساطير. مساحات خضراء، شقق وفيلات "بأسعار تنافسية"، ولكنها تنافس فقط في عالم الأثرياء. إقبال كثيف، دعايات مبهرة، وكأن المغرب كله يعيش في مصافِّ الدول الغنية. وأخرى عن سيارات فارهة بها كل وسائل الراحة، وأخرى عن أدوات ومساحيق فاخرة... مشاهد لا تنتمي إلى معاناة الناس في الشوارع والحارات.

 وبينما لا تزال أنوار هذه الإعلانات تتوهج، أنتظر وأتمتى ان تعرض الشاشة  موجة مغايرة تمامًا من الإعلانات: دعوات للتبرع لإقامة مستشفيات خيرية، حفر آبار مياه، كفالة أيتام، زراعة نخيل وزيتون، ذبح الأضاحي بالتقسيط، قفف رمضانية ، بطاطين الشتاء، وبنك الطعام. والأغرب أن من يُستنهَض للتبرع، ليس هو صاحب الفيلات، بل هو المواطن الفقير الذي بالكاد يجد قوت يومه! ويتم محاصرته في كل الأسواق بسبب الغلاء ، وكأن القادرين غائبون عن التكليف الشرعي.

وهنا يعلو صوت القرآن الكريم مُناديًا:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]

فلم يُخاطَب الفقير، بل الغني... صاحب المال، صاحب المسؤولية.

هذا التناقض المؤلم نراه أمامنا يوميًّا، ولا أحد يتوقف ليفسر هذه الظاهرة العجيبة: بلد يعيش فيه الفقير محاصرًا بإعلانات الأغنياء فيتحسر على حاله ، والغني غارقًا في دعايات الرفاهية وملذاتها... فلماذا لا يتم إسناد هذه المشاريع الخيرية لرجال الأعمال أو أصحاب القنوات أو مصنعي المنتجات المعروضة!

هل الفقير صار "صندوق تمويل المجتمع"، لا المستحق للعطاء!

ثم يأتي موسم آخر من مواسم الاستغلال كالذى يهل علينا الآن فنرى سماسرة الأحزاب والمرشحين يجمعون البطاقات استعدادا لموسم الحصاد الانتخابى ؛فجأة تتحول أحياء كاملة إلى ساحة لتوزيع كراتين الطعام، قفف رمضان، رشاوى مالية مغلفة بالعطاء، والوجوه السياسية تبتسم في كل زاوية، ليس حبًا بل رغبة في الأصوات..ويُستغل حديث الخير والتكافل، في غير موضعه، ويُغفل قول النبي ﷺ:"كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" [رواه الطبراني].

فأي سُحت أدهى من شراء ذمم الفقراء بطعام أو مال؟!أليس من المعيب أن يُستغل فقر الناس لشراء أصواتهم؟

أليس من الجريمة أن تتحول كرامة المواطن إلى سلعة موسمية تُشترى وتباع بثمن بخس دراهيم معدودات ؟

أليس من المخزي أن تتحول فريضة الإحسان إلى وسيلة دعائية في رمضان وغيره اتكلف بها احدى الجمعيات المحسوبة على بعض الأحزاب ( جود) مثلا وغيرها ، تؤديها الجمعيات الصغيرة، بينما يغيب عنها كبار رجال الأعمال وأثرياء الحملات الإعلانية؟

أما سمع هؤلاء قول الله تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]

وقوله﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: 19]

فلا فضل لأحد في العطاء، بل هو واجب مفروض.

إننا أمام أزمة أخلاقية تتجاوز السياسة والدين. نحن أمام مجتمع يكاد يُقنع الفقير أنه مسؤول عن الفقراء بينما الأغنياء يتنافسون في الشراء والترف، لا في الإنفاق والعطاء.

الفقراء في بلادنا أصبحوا هم المتبرعين، لا المتبرَّع لهم، وهم أصحاب الكرم رغم قلة ما بأيديهم، بينما الأغنياء يتصدرون مشهد الترف ويغيبون عن ميادين التكافل.

نحن بحاجة إلى  إعادة ترتيب الأولويات، والحفاظ على الكرامة قبل الحاجة.و بحاجة إلى مرشحين يحملون برامج هادفة تحقق وتصون كرامة المواطن المغربي ، وإلى إعلام يضيء للحق لا للواجهة والتطبيل الباطل ويصفق قولو العام زين .

 لأن تبرعات  الأغنياء للفقراء  لا تبرعات الفقراء هى التى تبنى المجتمع المدني لا نريد شاشات تلمع بالزيف، بل ضمائر تضيء بالحق.

السبت، 24 مايو 2025

سلوك التلاميذ في الإمتحان حسب الشعب

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي 

1- المركز الأول: شعبة العلوم الرياضية: تلاميذ لا يلتفتون لا يمينا ولا شمالا تصطف اجسادهم كخط مستقيم، لا ينتبهون لمن يجلس وراءهم ولا من يجلس أمامهم،لا يهتمون لمن يحرسهم ، مقلمة كل واحد منهم بها كل الأدوات التي يحتاجها، يصومون عن الكلام ، يطلبون أوراق التحرير و اوراق التسويد  بالإشارات.

2- المركز الثاني: شعبة العلوم الفيزيائية: تلاميذ أثرت فيهم الجاذبية أكثر من الآخرين لذلك أغلبهم قصار القامة، هم أكثر حركية من النوع السابق، يميزون بين من ينتمي لقسمهم وبين من لا ينتمي لقسمهم، يتقاسمون الآلات الحاسبة فيما بينهم، بين الفينة والأخرى يدرسون تمركز المكلفين بالحراسة ويدرسون أبعاده بكل إتقان، ثم يسلمون يمينا ويسارا في كل مرة كأنهم يؤدون صلاة التراويح.

3 - المركز الثالث: شعبة العلوم الإقتصادية: هم تلاميذ أقل انضباطا بالمقارنة مع النوعين السابقين ، أغلبهم إناث تعلو وجوههن ابتسامات خفيفة أحيانا تكون بريئة وأحيانا صفراء، يتأثرون قليلا بكثرة الأوراق التي ترهقهم خاصة إذا كانت مكتوبة بالفرنسية، يحبون استعمال الألوان وتنظيم الأوراق أكثر من اهتمامه بالمضامين .

4-المركز الرابع: شعبة علوم الحياة والأرض: نطلق عليهم  الأدبيين ديال العلميين، لكن في الحقيقة لا هم من هولاء و لا من أولئك ، هم كالزنوج او بالأحرى الملونين ، قاعتهم عندما  تدخلها تحس باهتزازاتها الخفيفة نتيجة ارتجاف وارتعاد تلاميذها من شدة الخوف، دماؤهم مليئة بالأدرينالين وقلوبهم كعداد السرعة، يركزون على الأستاذ أكثر مما يركزون  في اوراق الإمتحان، رؤوسهم كرؤوس البومة تدور حوالي 360 درجة.آلة حاسبة واحدة و بلونكو واحد يجوبان القاعة ، يظل الأستاذ المراقب يمارس السخرة طوال الحصة ،   هذا يطلب المسطرة ، ذاك يطلب ممحاة وآخر يريد بيركار و رابع قلم اخضر .. بينهم و بين الرياضيات عداوة مثل عداوة طوم و جيري .

5- المركز الخامس: شعبة الأدبيين: يفتخرون بأدبيتهم لكن لايربطهم بالأدب إلا الخير و الإحسان ، أما اللغات فآخر ما يفقهون فيه  ، يحفظون دون  ان يفهموا ما حفظوا ، شعارهم (النقلة) و المطبوعات المصغرة ، جيوبهم مليئة بالأحجبة كأنهم سحرة فرعون، يدخلون القاعة وظهورهم إلى السبورة،  لا يجلسون حتى يصرخ الأستاذ صراخات من لدغته عقرب ، عندما يجلسون تلاحظ أللا أحد منهم اقتعد المكان المناسب و بالطريقة المناسبة ، مهمتهم مراقبة المكلف بالحراسة، ورؤوسهم كصفارات الكوكوط تدور دون توقف وتحدث شوشرة و ضجيجا ، يتقاسمون القلم الأخضر و بلونكو واحد  بينهم وأغلبهم يكتب بقلم أسود

تمر نصف الحصة وأكثرهم لم يكتب حرفا ، كلهم ينتظرون فرجا من حيث لا يحتسبون ، عشرة تلاميذ ينتظرون ورقة من نهيلة التي تبعد عنهم بست طاولات 

6- المركز السادس: الأحرار : منهم موظفون و منهم عساكر و منهم معطلون و منهم ما لا تعلمون ،   يرتدون المعاطف و الجلابيب و الجاكيتات فوق الجلابيب في عز الصيف، لا يشعرون بشدة الحرارة، إنه الإنفصام الحراري الإختياري، ملابسهم في فصل الصيف أكثر ثقلا من ملابسهم في فصل الشتاء، في جيوبهم مكتبات و خِزانات و خزائن ، تجد فيها كتبا ودفاترا و هواتفا و حواسبا و هراوات و سكاكين و قنينات و حبالا و سبسي و تنفيحة ..

الأربعاء، 21 مايو 2025

الطفل العربي والفضاء الافتراضي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات ؛ باحث في علم الاجتماع

 طلبت معلمة الروض من أم طفلة صغيرة حركية، شراء لوحة إلكترونية لتحملها معها إلى الروض لتنشغل بها لأنها تزعجها بحركاتها، أثناء تقديم دروسها لمن هم أكبر منها، مدعية أنها «مشاغبة». وبما أن الهاتف المحمول المتصل بالفضاء الشبكي صار متوفرا في كل بيت، صار الطفل ذو العامين من عمره قادرا على تحريك أصبعه الصغير بين القطع الموسيقية والرسوم المتحركة الأثيرة لديه، ويلح أن يحتفظ بالهاتف الذي يُسمح له به أحيانا اتقاء لصراخه، والذي صار بالنسبة إليه ما كانت أمهاتنا تسميها «اللهاية»، أو «السكاتة».

أصبح «الإلهاء» و»الإسكات» لأطفالنا متصلا بالهاتف أو اللوحة الإلكترونية، وقد كان بالنسبة إلينا كسرة خبز، أو قطعة حلوى، بل إن الإلهاء تعدى الأطفال إلى التلاميذ والطلبة، الذين صاروا بدورهم مغرقين في الفضاء الافتراضي لمتابعة ما يزخر به من مسليات ومرفهات. وقلما تجدهم يبحثون عما يعمق معارفهم بدروسهم، أو ينمي مهاراتهم، أو يطور مجالات دراستهم.

كنا نخرج للعب الكرة، أو الكرات الزجاجية أو الخذروف، وما شابه. وكنا نتسلى بشراء القصص العاطفية والبوليسية والرسوم المتحركة بالفرنسية. وكنا نعتبر هذه التسلية تقوية للغتنا، وتوسيعا لدائرة خيالنا. وكلما تدرجنا في العمر انتقلنا إلى قراءات متعددة للشعر والقصة والرواية والكتب العلمية. وكانت تتكون لدينا نماذج من الكتاب والشعراء والعلماء والسياسيين من مختلف الثقافات.

ساهم تغير الوسائط المتفاعلة، وخلق الفضاء الافتراضي في خلق جيل جديد، يحرك أصابعه، ويتابع بعينيه، أو يلصق سماعتين بأذنيه، وهو يقوم بذلك في أي وقت لا يُفرض فيه عليه القيام بشيء. إنه وهو يحرك كل هذه الحواس، ثابت في مكانه لا يتحرك، ولا يقوم بأي مجهود عضلي، لذلك لا غرابة في أن نجد البدانة، والنظارات من أهم السمات التي يتميز بها هذا الجيل. كنا عندما نرى طفلا يضع نظارات نشفق عليه، ونعتبر ضعف البصر لا يقل إعاقة عن العرج، أو حدبة الظهر، أو العور. هذا الجيل الذي فتح عينيه على الواقع الافتراضي، والذي صار مدمنا عليه، دون أن يتلقى أي تربية تتلاءم مع استعمال الوسائط الجديدة، لا يمكنه إلا أن يتخذ نموذجه الحياتي مما يثير الانتباه، ويستقطب أكبر عدد من المعجبين. ولما كان هذا النموذج «تافها» في العادة، ولاسيما حين يكون التداول بين فئات عمرية متعددة، يصبح ذلك النموذج المفضل، الذي يعمل الكثيرون على تقليده، والتشبه به. وصورة حفار الآبار المغربي التي قدمت حتى في الصحافة العالمية خير مثال على ذلك. لقد صار الفضاء الافتراضي، ولاسيما بعد هيمنة التفاعلية والمشاركة، يتيح توزيع «التفاهة»، و»الرداءة» التي تميل إليها النفوس أكثر من غيرها.

لا غرو في أننا نجد نماذج إيجابية مختلفة، ومناقضة لما يروج في وسائط التواصل الاجتماعي: مثل الطفلة التي تتكلم بعربية فصيحة وجميلة، وتعتز بذلك، أو الأطفال الذين يصلون بالمسلمين التراويح، أو الذين يفوزون بجوائز في ترتيل القرآن الكريم أو حفظه، لكن هذه النماذج صعبة التقليد، وغير قابلة لأن تكون أمثلة يقتدى بها. لسبب بسيط هو أن ما وصلت إليه ما كان ليتحقق لولا المجهودات الكبيرة التي بذلت في تشكيلها من لدن الأبوين خارج المتداول وما تفرضه الوسائط الجديدة. وبما أن أغلبية الآباء لأسباب متعددة ليست عندهم الإمكانيات المعرفية أو المادية، بل حتى الزمنية لانشغالاتهم الكثيرة التي تسمح لهم بمتابعة أبنائهم، وتبصيرهم بمخاطر الفضاء الافتراضي وتساعدهم على الاستفادة منه ضمن الحدود المطلوبة، كان تقديم الهاتف أو اللوحة الإلكترونية إليهم بهدف الإلهاء أو الإسكات. ينجم عن هذا الإسكات عمل الطفل على تقليد «الناجحين» في الفضاء الافتراضي دون أي موهبة أو مجهود، فيبدأ في تصوير نفسه مقلدا، أو مقدما حركات لا أساس لها، ومتوهما أنه بذلك يمكن أن «تصادفه» فرصة للنجاح، وتعطيه إمكانية لتحقيق ذاته، ما دام عاجزا عن تحقيقها من خلال إقدامه على التحصيل، وتطوير قدراته ومهاراته المختلفة.

صارت النماذج الحياتية المقبولة، التي فرضها الفضاء الشبكي تتلخص في بعدين اثنين: الشهرة والكسب المادي ولو دون بذل أي جهد ينم عن تميز أو اجتهاد. وبات هذا الهاجس مشتركا بين الكثير من الأطفال، ولاسيما ممن لا تتوفر لدى آبائهم إمكانيات المتابعة والتوجيه السليم.

إننا لا نعارض تمكين الأطفال والأحداث من الهاتف المحمول أو اللوحة الإلكترونية، لكن أي محتوى يجب أن يقدم إليهم؟ وفي أي طريقة؟ وكيف يمكننا جعل الفضاء الافتراضي الذي يبحر فيه أطفالنا مفيدا، ومسليا، ومسكتا؟ هذا هو سؤال التربية الرقمية الذي لم نشرع في التفكير فيه، رغم أن الكل يعي ضرورته، ويقدر أهميته.

كانت المدرسة تتوفر على مكتبة، وكان محافظها يدلنا على ما ينبغي أن نقرأه. وكان المعلمون يدفعوننا لتكوين مكتبة القسم، والتناوب على قراءة القصص وتلخيصها. وكنا نتنافس في الاطلاع على أكبر عدد من تلك الكتب. وكانت النصوص التي نطلع عليها مشتركة، وموحدة. ولذلك تشكل لدينا جميعا وعي مشترك. فما الذي يجمع الأجيال الجديدة؟


السبت، 17 مايو 2025

الحوار مع الذات: ضعف أم وعي؟ تحليل نفسي واجتماعي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث  و الإبتكار  والتنمية و تنمية القدرات.

 الملخص  

يهدف هذا البحث إلى تحليل طبيعة الحوار الداخلي مع الذات، وتسليط الضوء على الجدل القائم حول تصنيفه كـ"ضعف" أو "وعي متطور". من خلال استعراض نظريات علم النفس المعرفي والوجودي، تُظهر الدراسة أن هذا الحوار يعكس آليات تكيّف ذهنية وروحية لمواجهة الضغوط الخارجية والتقلبات الواقعية، بدلاً من كونه مؤشراً على الهشاشة النفسية. كما تُقدّم الورقة إطاراً عملياً لتحويل هذا الحوار إلى أداة بنّاءة للتعامل مع التحديات الحياتية.

 المقدمة

يُعتبر الحوار مع الذات ظاهرة إنسانية شائعة، تزداد حدتها في فترات الأزمات أو عدم الوضوح الوجودي. بينما يرى البعض أنها تعبير عن ضعف أو هروب من الواقع، يؤكد علم النفس الحديث أنها آلية وعي تعكس محاولة الفهم الذاتي وإعادة التنظيم المعرفي. تطرح هذه الدراسة السؤال التالي:  هل الحوار الداخلي ضعفٌ نفسي أم مؤشر على وعي متطور؟  

الإطار النظري  

 1.الحوار الداخلي في علم النفس:  

- وفقاً لنظرية   - كارل يونغ - عن "الذات"، يُعد الحوار مع النفس جزءاً من عملية "التفرد" (Individuation)، أي تحقيق التكامل بين الجوانب الواعية واللاواعية.  

- في العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، يُنظر إلى الحوار الداخلي كأداة لإعادة هيكلة المعتقدات السلبية (بيك، 1976).  

- تُشير دراسات الوعي الذاتي (Self-Awareness) إلى أن التفكير الانعكاسي يُعزز القدرة على اتخاذ قرارات متوازنة (Duval & Wicklund, 1972).  

 2.الأسباب والدوافع:   

-  الضغوط الخارجية: وفق نموذج لازاروس وفولكمان (1984) للتوتر، يُعد الحوار الداخلي استجابة لتقييم التهديدات والمتطلبات.  

-  التوقعات المجتمعية:  تُظهر دراسات أن التناقض بين توقعات المجتمع وقدرات الفرد يولّد صراعاً داخلياً (Higgins, 1987).  

-  التقلبات الواقعية: وفق علم النفس الوجودي، يدفع عدم استقرار الواقع الأفراد إلى البحث عن معنى (فرانكل، 1946).  

 التحليل: الوعي مقابل الضغط  

 1. الحوار كضعف: خرافة أم حقيقة؟  

- يُخطئ البعض في تفسير الحوار الداخلي كـ"تردد" أو "عجز"، لكن الدراسات تُظهر أن تجنبه قد يؤدي إلى كبت المشاعر (Pennebaker, 1997).  

- الاجترار السلبي (Rumination): يُفرّق علماء النفس بين الحوار البنّاء والاجترار المرضي المرتبط بالاكتئاب (Nolen-Hoeksema, 1991).  

 2.الحوار كوعي:  

- المرونة الذهنية:  تُعزّز المحادثة الذاتية الإيجابية المرونة النفسية (Cognitive Flexibility)، وهي سمة رئيسية في نموذج "العقلية النامية" (كارول دويك، 2006).  

- البعد الروحي: في السياق الديني، يُفسَّر الصراع الداخلي كاختبار للصبر أو فرصة للارتقاء الروحي، مما يعكس وعياً بوجود حكمة أكبر.  

 آليات تحويل الحوار إلى قوة: إطار تطبيقي  

بناءً على النموذج المقترح، تُقدّم الدراسة خمس استراتيجيات:  


1. القبول النشط (Active Acceptance):  

   - مستوحى من علاج القبول والالتزام (ACT): تقبّل الواقع دون استسلام، مع التركيز على القيم الشخصية (هيز، 2005).  

2. المرونة الذهنية:  

   - تطوير "العقلية النامية" (Growth Mindset) لتكييف الأهداف دون فقدان الهوية (Dweck, 2006).  

3. الثبات في المعنى:  

   - وفقاً لعلم النفس الوجودي، خلق معنى ثابت amid التقلبات يُعزز الاستقرار النفسي.  

4.  نموذج السيطرة الثلاثي:  

   - تصنيف التحديات إلى:  

     - ما يمكن التحكم فيه (مثل ردود الأفعال).  

     - ما يمكن التأثير فيه (مثل العلاقات).  

     - ما لا يمكن تغييره (مثل أحداث الماضي).  

   - يُقلل هذا التصنيف الشعور بالعجز (نموذج مركز التحكم لروتر، 1966).  

5.  الصبر الفعّال: 

   - الجمع بين العمل الهادئ والإيمان بالتغيير، تجنباً للصبر السلبي.  

 الخاتمة  

يُظهر التحليل أن الحوار مع الذات ليس ضعفاً، بل آلية وعي تعكس محاولة الفرد لإعادة تنظيم تجاربه وفهم ذاته. من خلال تبني الاستراتيجيات المذكورة، يمكن تحويل هذا الحوار إلى قوة دافعة للنمو النفسي والروحي. تُوصي الدراسة بدمج هذه المفاهيم في برامج التوعية النفسية والتربوية.

 المراجع  

- Beck, A. T. (1976). Cognitive Therapy and the Emotional Disorders.  

- Frankl, V. E. (1946). Man’s Search for Meaning.  

- Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success.  

- Hayes, S. C. (2005). *Get Out of Your Mind and Into Your Life.

السبت، 10 مايو 2025

الفرق بين اليهود و بين بني إسرائيل


 خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للبحث والتدريب والابتكار والتنمية وتنمية القدرات

هناك فرق بين اليهود و بين بني إسرائيل, فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام و أبنائه الإثنى عشر و حفدته و هم عرب موحدون مسلمون 

أما اليهود فهم أخلاط من جنسيات مختلفة و ليس كل اليهود من بني إسرائيل.

- أم كنتم شهداء إد حضر يعقوب الموت قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ونحن له مسلمون. و كل الأنبياء عرب وكلهم مسلمون وكلهم من درية واحدة

- و ماكان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان مسلما حنيفا ولم يكن من المشركين

- إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

- شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ

لغة سيدنا ادم قال تعالى: “وعلم آدم الأسماء كلها”، فالأسماء هنا تعني الأحرف كلها، و تشمل كل اللغات، ألهمه الله معرفتها و هو علمها لأبناءه الذين علموها لأبنائهم وانتشرت هذه اللغات، بينما في قول أخر أن العربية هي اللغة التي تكلم بها سيدنا آدم، و أن اللغة العربية هي أصل اللغات و منها اشتقت كل اللغات، و الدليل أن اللغة العربية حافظت على خصائصها اللغوية من إعراب واشتقاق و معاني و غيرها، و هذا ما لا يوجد في أي لغة ما زالت حية الآن و هذا دليل على أصالتها و قوتها، ومدى استمراريتها .و كان اليهود قد أشاعوا عند الناس قبل الاكتشافات الأثرية أن لغتهم العبرانية هي اللغة الأم للناس، وأنها لغة آدم والقرون الأولى، وانتشر هذا الاعتقاد في أوروبا في القرون الوسطى.فيما يرى الرأى الديني في الإسلام، فإن أصل اللغة توقيفي من الله تعالى علمها لنبيه آدم عليه السلام عندما خلقه فقال تعالى: وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا . قال صاحب المراقي :واللغة الرب لها قد وضعا * وعزوه للاتفاق سمعا.

وأما تفرقها وتطورها فقد جاء بعد الطوفان عندما انتشرت ذرية نوح وتفرقت في البلاد، فيذكر أبن كثير في “البداية والنهاية” أن الانقسام بدأ من عصر أبناء نوح عليه السلام: فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ.

فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى

أولاد نوح الثلاثة وهم سام و حام و يافث.

اختلاف الألسن

فإن المراد باختلاف الألسن في آية سورة الروم هو اختلاف اللغات التي يتكلم بها الناس، كما قال 

ابن كثير والشوكاني، وقد ذكر السبكي في جمع الجوامع: إن من لطف الله تعالى بعباده توسيعه المجال في النطق.

قال السيوطي في الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع:

من لطف ربنا بنا تعالى * توسيعه في نطقنا المجالا.

فمن بديع آيات الله تعالى أن ألهم كل صنف من الناس لغة يتفاهمون بها، ألهمهم الله وضعها، وأقدرهم على

النطق بها، كذا قال البيضاوي في التفسير.

وحمل ابن الجوزي الآية على أن الاختلاف في الألسن يراد به اختلاف النغمات و الأصوات حتى أنه لا يشتبه صوت أخوين، و لا شك أن هذه آية من آيات الله، فناس يسكنون في منطقة واحدة و أسرتهم واحدة يوجد فيهم من هو عذب الصوت، ومن هو خشن الصوت، وفيهم من هو رفيع الصوت، ومن صوته منخفض، و فيهم من صوته غليظ، ومن صوته رقيق.